فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 224

الملاحظة الثالثة، التي يتوجب أن نوردها في هذا السياق، هي أنّ بني إسرائيل الذين خرجوا من مصر، أو جزءًا هامًا منهم على الأقل، كانوا صنيعة ما نفضل أن نسمِّيه بـ"اقتصاد قارون"، وهو نمط اقتصادي لا زال يميِّز نشاط اليهود الاقتصادي حتى يومنا هذا. والعنصران الأساسيان فيه هما الصناعات الحرفية والتجارة، ولكن أيضًا السعي وراء المعادن الثمينة ولو بالإبحار بعيدًا أو على متن نوع آخر من السفن في ذلك العصر هو الحمير. ومثل هذا النمط من الاقتصاد يفترض وجود محطات أو جاليات في مختلف المراكز التجارية المهمة، وبالتالي يفرض شتاتًا اختياريًا، هو غير السبي الآشوري وغير السبي البابلي. ومثل هذا الشتات الاختياري الذي يفرضه"اقتصاد قارون"أو اقتصاد الحرف والتجارة، كان لا بُدَّ وأن يجعل الإسرائيلي أو اليهودي المغترب يعرف نفسه في المغترب بأنه"إسرائيلي"أو"يهودي"، والتجارة ـ كما هو معلوم ـ تفترض عنصرين متناقضين هما: التعاون والتنافس. وربما قصة العلاقة مع المديانيين والكنعانيين تعكس هذا التناقض بين التعاون والتنافس. ونحن نعرف من قصّة المديانيين في القرآن الكريم أنهم كانوا أهل تجارة ويطففون الكيل، وأما التوراة فإنها تتهم التجار الكنعانيين بالغش في الموازين، والتقليد اليهودي خارج إطار التوراة يتهم أهل سدوم وعمورة بأنهم كانوا غشاشين، ويحرِّفون القضاء. إنَّ هذا الوضع بالذات، أي الشتات الاختياري للتجار والحرفيين، هو الذي جعل اليهود معنيين في نهاية المطاف أن يكون لهم إله خاص، وله اسم محدد، وألاَّ يتوقفوا عند الاعتقاد بألوهية الله"إيل"، خاصة وأنَّ مفهوم هذه اللفظة لم يكن قد وصل إلى المعنى الذي تبلور في الإسلام. ولنلاحظ هنا أنه حتى السيد المسيح عيسى بن مريم، فإنّ آخر ما قاله ـ وهو على الصليب ـ وفق رواية الأناجيل"إيلي إيلي لم شبقتني"، أي"إلهي إلهي"ولم يقل"يا الله"بما يفيد المعنى المطلق. وعلى هذا النحو،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت