فهرس الكتاب
ويدل على ذلك أيضا ما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا إذا بايعنا رسول الله على السمع والطاعة، يقول لنا (فيما استطعتم) [1] ، وقد ورد عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فلقنني (فيما استطعت والنصح لكل مسلم) [2] ، وعن عبد الله بن دينار قال: لما بايع الناس عبد الملك ابن مروان كتب إليه عبد الله بن عمر: إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيما استطعت وإن بني أقروا بذلك [3]
ولعل الحكمة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة للأمراء وإن منعوا الناس حقوقهم أو استأثروا بحظوظ الدنيا دونهم، هو ارتكاب أخف الضررين، فإن تضرر الرعية بهذا المنع والأثرة أخف من ضرر الخروج على الأمراء ومايتبع ذلك من الاختلاف والتفرق، هذا بالإضافة إلى أنه قد يظن أثرة ما ليس بأثرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالطاعة هاهنا سدا للذرائع، وحتى لا يتعلل أحد بالظنون لشق عصا الطاعة. ومثال ذلك ما ذكرناه سابقا عن أسيد بن حضير رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استعملت فلانا ولم تستعملني؟ قال صلى الله عليه وسلم (إنكم سترون بعدي أثره فاصبروا حتى تلقوني)
قال ابن حجر رحمه الله: والسر في جوابه عن طلب الولاية بقوله (سترون بعدي أثره (إرادة نفي ظنه أنه آثر الذي و لا ه عليه، فبين له أن ذلك لا يقع في زمانه، وأنه لم يخصه بذلك لذاته بل لعموم مصلحة المسلمين، وأن الاستئثار للحظ الدنيوي إنما يقع بعده، وأمرهم عند وقوع ذلك بالصبر. اه [4]
1 الطاعة واجبة في المنشط والمكره والعسر واليسر وليس في المنشط واليسر فقط، بل يمكن القول بأن الاختبار الحقيقي لصدق الطاعة لا يكون إلا في المكره أي فيما يشق على النفس وتكرهه، فالكل يطيع في المنشط أي في الأعمال اليسيرة أو ذات النفع العاجل أو المحببة إلى النفس، أما في المكره وهو ما لا ترغبه النفس من أعمال فلا يطيع حينئذ إلا الصادقون، ويمكن القول كذلك إن الطاعة في المكره فيصل بين المؤمن والمنافق، الذي غالبا ما يطيع في المنشط دون المكره ودليل ذلك قوله تعالى (لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم أنهم لكاذبون) [5] ، فهؤلاء المنافقون
(1) رواه البخاري والترمذي والنسائي وأحمد وابن حبان والبيهقي وابن ماحة وأبوعوانة ومالك.
(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي والبيهقي والطبراني وابن مندة.
(3) رواه البخاري في الصحيح والأدب المفرد والبيهقي في السنن.
(4) فتح الباري ج13/ 8 (.
(5) سورة التوبة، الآية: 42.