إلا غارًا في الجبل في البرية و وهل قالوا: وأين نهاجر؟ ولاثم بلد إسلام , ولا إمام لنا ولا أعوان؟ كما قال هؤلاء الجهلة , الذين آثروا الدنيا على الدين.
وتأمل ما قاله الله في السورة التي بعدها , عن خليله إبراهيم , إمام الحنفاء {إذ قال لأبيه يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيًا} فمن كان عصيًا للرحمن , فطاعته معصية له , ثم قال: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله} الآيتين [مريم: 44 , 48] وقال: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومه إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبد بيننا وبينكم العداوة و البغضاء أبدًا} الآية [الممتحنة: 4] فمن تدبر هذه الآيات: عرف التوحيد الذي بعث الله به رسله , وأنزل به كتبه , وعرف حال المخالفين لما عليه الرسل وأتباعهم , من الجهلة المغرورين الأخسرين.
قال شيخنا: الإمام رحمه الله , في سياق دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - قريشًا إلى التوحيد , وما جرى منهم عند ذكر آلهتهم , بأنهم لا ينفعون ولا يضرون , أنهم جعلوا ذلك شتمًا؛ فإذا عرفت هذا , عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام , ولو وحد الله وترك الشرك , إلا بعداوة المشركين , والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء , كما قال تعالى: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} الآية [المجادلة: 22] فإذا فهمت هذا فهمًا جيدًا , عرفت أن كثيرًا ممن يدعي الدين لا يعرفه.
و إلا فما الذي حمل على الصبر على ذلك العذاب , والضرب و الأسر , والهجرة إلى الحبشة , مع أنه - صلى الله عليه وسلم - أرحم الناس , ولو وجد لهم رخصة أرخص لهم , كيف وقد أنزل الله عليه {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} الآية [العنكبوت: 10] فإذا كانت هذه الآية , فيمن وافق بلسانه إذا أوذي , فكيف بغير ذلك؟ يعني من وافقهم بالقول والفعل بلا أذى , فظاهرهم , و أعانهم , وذب عنهم وعمّن وافقهم , و أنكر على من خالفهم , كما هو الواقع؛ وتأمل: قول شيخنا رحمه الله , إذا عرفت هذا وقد تقدم ما يدل على هذا , وباله التوفيق.
لقد أحسن من قال من السلف: ليس العجب ممن هلك كيف هلك , وإنما العجب ممن نجا كيف نجا؛ فإذا كان الأمر هكذا , فلا تأمن على نفسك الارتداد عن الدين , في مثل هذه الفتنة العظيمة , خصوصًا إذا عرفت أن العلماء رحمهم الله , ذكروا الردة من نواقض الوضوء , وذلك: أن الرجل قد