الصفحة 102 من 461

وأما قول المعترض: واستدللت أيضًا بقوله: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم} الآيات [التوبة:24] هذه نزلت في أناس تخلف عن الجهاد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... إلخ.

فيقال: من أين لك هذه الدعوة؟ وفي أي كتاب وجدتها؟ وحقيقة قولك هذا: الكذب , والقول على الله بلا علم , وهو من أعظم المحرمات , وهو أصل كل باطل؛ أما تدبر أول الآيات وسياقها , ولو كنت تعرف التدبر لعقلت عن الله خطابه , وهديت إلى فهم مراده , لكنك أخذت الأمر بتعسف من لا يبالي , ولا عنده معرفة شيء سوى تغطية الحق بالجحود والتكذيب.

أما علمت أنا الكفر بآيات الله , إنما هو جحودها , والإلحاد في معناها , وقد كفر الله من آمن بعض الكتاب وكفر ببعض , فإذا أردت الإطلاع على ما قد جحدت من معنى هذه الآيات , فخذ كلام أئمة التفسير المشهور , عند كل من هو به خبير , قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبائكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان} الآية [التوبة: 23] قال مجاهد بن جبر - صاحب ابن عباس رضي الله عنه: نزلت في قصة العباس وطلحة , و امتناعهما من الهجرة.

قال الكلبي عن ابن عباس , قال: لما أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة إلى المدينة , فمنهم من يتعلق به أهله وولده , ويقولون: ننشدك بالله أن لا تضيعنا , فيرق عليهم ويدع الهجرة , فأنزل الله عز وجل هذه الآية؛ وقوله: {ومن يتولهم منكم} فيطلعهم على غرة المسلمين , ويؤثر المقام معهم على الهجرة والجهاد , كما هو حال الكثير في هذه الفتنة {فأولئك هم الظالمون} .

ثم قال: {قل} يا محمد لهؤلاء المتخلفين عن الهجرة {إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم} الآيات , وذلك أنه لما نزلت الآية الأولى , قال الذين أسلموا ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا , وذهبت تجارتنا , وخرجت دارنا , وقطعنا أرحامنا , فأنزل الله: {إن كان آباؤكم} الآية [التوبة: 24] .

فإذا كانت هذه الآيات , نزلت فيمن لم يهاجر ويجاهد , فقد أصابكم حكمهم , بترككم الهجرة والجهاد , وقد قال - صلى الله عليه وسلم - فيمن توقف عن مبايعته على الهجرة والجهاد (( فإذا كان لا هجرة ولا جهاد فبم تدخل الجنة ) )فحصل لكم بترك الفرضين ما حصل من المتابعة والموافقة , حتى عكستم الحكم , فعاديتم من عادى المشركين , ورمتم هدم الإسلام وحقوقه و واجباته , فلم يبق بأيدكم إلا استحسان هذه الحالة ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت