ومعلوم: أم الدين لا يقوم إلا بالجهاد , ولهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجهاد مع كل بر وفاجر , تفويتًا لأدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما , وارتكابًا لأخف الضريرين لدفع أعلاهما , فإن ما يدفع بالجهاد من فساد الدين , أعظم من فجور الفاجر , لأن بالجهاد يظهر الدين ويقوى العمل به وأحكامه , ويندفع الشرك وأهله حتى تكون الغلبة للمسلمين , والظهور لهم على الكافرين , وتندفع سَوْرة أهل الباطل , فإنهم لو ظهورا لأفسدوا في الأرض بالشرك والظلم والفساد , وتعطيل الشرائع والبغي في الأرض.
ويحصل بالجهاد مع الفاجر , من مصالح الدين ما لا يحصى , كما قال - صلى الله عليه وسلم - (( إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر , وبأقوام لا خلاق لهم ) )ولو ترك الجهاد معه لفجوره لضعف الجهاد , وحصلت الفرقة والتخاذل , فيقوى بذلك أهل الشرك والباطل , الذين غرضهم الفساد وذهاب الدين , فإذا أبتلي الناس بمن لا بصيرة له ولا علم ولا حلم , ونزل المشركين وأهل الفساد من قلبه منزلة أهل الإسلام , لطمع يرجوه منهم , أو من أعوانهم , وأعانهم على ظلمهم , وصدقهم في كذبهم , فإنه لا يضر إلا بنفسه , ولا يضر الله شيئًا.
ويقال أيضًا: كل من أقام بإزاء العدو وعاداهم , واجتهد في دفعه , فقد جاهد ولا بد؛ وكل طائفة تصادم عدو الله , فلابد أن يكون لها أئمة ترجع إلى أقوالهم وتدبيرهم، وأحق الناس بالإمامة من أقام الدين الأمثل فالأمثل , كما هو الواقع , فإن تابعه الناس أدوا الواجب , وحصل التعاون على البر والتقوى , وقوى أمر الجهاد , وإن لم يتابعوه أثموا إثمًا كبيرًا بخذلانهم الإسلام.
وأما القائم به: فكلما قلت أعوانه وأنصاره، صار أعظم لأجره , كما قال تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده} [الحج: 78] وقال: {والذين جاهدوا فينا} الآية [العنكبوت: 69] وقال: {أذن للذين يُقَاتَلون} الآية [الحج: 39] وقال: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم} الآية [المائدة: 54] وقال: {فاقتلوا المشركين} الآية [التوبة: 5] وقال: {كم من فئة} الآية [البقرة: 249] وقال: {يا أيها النبي حرض المؤمنين} الآية [الأنفال: 65] وقال: {كتب عليكم القتال} الآية [البقرة: 216] .
ولا ريب: أن فرض الجهاد باقي إلى يوم القيامة , والمخاطب به المؤمنون؛ فإذا كان هناك طائفة مجتمعة لها مَنَعَة وجب عليها أن تجاهد في سبيل الله بما تقدر عليه , ولا يسقط عنها الفرض بحال , ولا عن جميع الطوائف , لما ذكرت من الآيات , وقد تقدم الحديث (( لا تزال طائفة ) )الحديث.