, لاكتفى بهم في رد ذلك الزيغ والضلال , والكذب المحال , على طريق التفصيل تارة والإجمال , وهذا الرجل وإن كان من أجهل العوام , فإنه يحاول بسجعه نقض عرى الإسلام.
ثم إني عزمت: على ما بناه من ذلك الباطل , على استفراغ وسع واستمهال , وذلك أولى من الترك والإهمال , و {الحمد لله الذي هادنا لهذا وما كنا لنهتدي لولا هدانا الله} الآية [الأعراف: 43] فأخذت في رد قوله مستعينًا بربنا العظيم , مستعيذًا بالله من شر متبعي خطوات الشيطان الرجيم , وحسبنا الله ونعم الوكيل على من صد الناس عن سواء السبيل.
قال محمد بن نصر: حدثنا إسحاق , أنبأنا عبد الرحمن بن مهدي , عن حماد بن زيد , عن عاصم بن بهدلة , عن أبي وائل , عن عبد الله قال: خط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطًا , ثم قال (( هذا سبيل الله ) )ثم خط خطوطًا عن يمينه وشماله , وقال هذه سبل , وعلى كل سبيل منها شيطان يدعوا إليه , وقرأ {وإن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه} الآية [الأنعام: 153] .
قلت: وهنا بلية ينبغي التنبيه عليها , قبل الشروع في المقصود , وهي: أن كثيرًا من أهل الأزمنة وقبلها , قد غرهم من أنفسهم أمران.
أحدهما: أنهم إن أحسنوا القول رأوه كافيًا , ولو ضيعوا العمل وارتكبوا النقيض , وما عرفوا أقوال الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - في الخوارج , يقولون من قول خير البرية (( يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ) ).
وهذا كثير في الكتاب و السنة , يذم ويمقت من يقول ولا يفعل , ومن يخالف قوله فعله , كقوله تعالى {كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 3] وكقوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون} [البقرة: 14] وقد ورد (( ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال ) ).
الأمر الثاني: أن الأكثر ظنوا أن انتسابهم إلى الإسلام , ونطقهم بالشهادتين، عاصم للدم والمال , وإن لم يعملوا بمدلول لا إله إلا الله , من نفي الشرك , وتركه , وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى , كالدعاء , والرجاء , والتوكل , وغير ذلك؛ ولم يعرفوا معنى قول الله تعالى: {فاعبد الله مخلصًا له الدين * ألا لله الدين الخالص} [الزمر: 2 - 3] وقوله تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له