أغويتني [الحجر: 39] وقال: {رب فأنظرني} [الحجر: 36] وكل مشرك مقر بأن الله خالقه , وخالق السموات والأرض , ورب ما فيهما , ورازقهم , ولهذا تحتج الرسل بقولهم: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} [النحل: 17] وبقولهم: {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له} [الحج: 73] والمشركون مقرون بذلك , لا ينكرون.
الأصل الخامس: أن العبادة أقصى باب الخضوع والتذلل , ولم تستعمل إلا في الخضوع لله , لأنه مولي أعظم النعم , حقيق بأقصى غاية الخضوع , كما في الكشاف؛ ثم إن رأس العبادة وأساسها التوحيد لله , الذي تفيده كلمته التي إليها دعت جميع الرسل , وهي: لا إله إلا الله , والمراد اعتقاده معناها , لا مجرد قولها باللسان , ومعناها إفراد الله بالعبادة والإلهية , والنفي والبراءة من كل معبود دونه , وقد علم الكفار هذا المعنى , لأنهم أهل اللسان العربي , فقالوا: {أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب} [ص: 5] انتهى.
وقال شيخ الإسلام , ابن تيمية رحمه الله تعالى: تواترت الأحاديث , بأنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله , ومن شهد أن لا إله إلا الله , وأن محمدًا رسول الله , لكن جاءت مقيدة بالإخلاص واليقين , والموت عليها , وكلها مقيدة بالقيود الثقال , وأكثر من يقولها , لا يعرف الإخلاص , ولا اليقين؛ وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد و إقتداء بأمثالهم , وهم أقرب الناس من قوله تعالى , حاكيًا عن المشركين {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإن على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23] .
وحينئذ: فلا منافاة بين الأحاديث , فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين , ومات على ذلك , امتنع أن تكون سيئاته راجحة عل حسناته , بل كانت حسناته راجحة، فيحرم على النار , لأنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام , لم يكن في هذه الحال مصرًا على ذنب , فإن كمال الإخلاص ويقينه , موجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء سواه , وأخوف عنده من كل شيء , فلا يبقى في قلبه يومئذ إرادة لما حرم الله , ولا كراهة لما أمر الله , فهذا هو الذي يحرم على النار , وإن كان له ذنوب قبل ذلك , فهذا الإيمان , وهذه التوبة , وهذا الإخلاص , وهذه المحبة , وهذا اليقين والكراهة , لا يتركن له ذنبًا إلا محي عنه , كما يمحو النهارُ الليلَ؛ فمن قالها على وجه الكمال المانع , من الشرك الأكبر والأصغر , فهذا غير مصر على ذنب أصلًا , فيغفر له , ويحرم على النار؛ وإن قالها على وجه , خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر , ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك , فهذه الحسنات لا يقاومها شيء من السيئات , فيرجح بها ميزان الحسنات , كما في حديث الطاقة.