الصفحة 131 من 461

الدر السنية في الأجوبة النجدية

وفي الصحيحين: عن خباب بن الأرت , قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة , فقلنا: ألا تدعو لنا. ألا تستنصر لنا؛ قال: فجلس محمرًا وجهه، ثم قال: (( و الله إن من كان قبلكم، ليؤخذ الرجل، فيمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويقعد الرجل فتحفر له الحفرة، فيوضع المنشار على رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه عن دينه ) )الحديث.

وبعد ما وقع بعمار وأهله من المشركين ما وقع، أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة، لما اشتد بهم أذى المشركين، فهاجروا وفيهم عمار رضي الله عنه، ثم إنه رجع هو وبعض المهاجرين، فهاجروا إلى المدينة , وفي تلك الأحوال لم يطمئن أحد منهم إلى المشركين , ولا داهنهم بدينه , واستمروا على عداوتهم والبراءة منهم , حتى هاجروا إلى المدينة , وقصتهم في السير , وكتب الحديث , و المغازي , مشهورة.

فأين القلب المطمئن بالإيمان , وهو يرغب إلى أولئك الأشرار , ويتعرض لما في أيديهم من حطام الدنيا , ويتودد إليهم بأساجيع المدح , كسجع الكهان , ويقول: اكتبوا لي كذا , اجعلوا لي كذا , ونحو ذلك من صيغ الطلب , كما في المكاتبات الموشحة بالمديح , و الدعوات والتعظيمات , والمجازفات الموشحة بنظم الأبيات؟! فسبحان من لا يخفى عليه خافية , من أقوال خلقه وأعمالهم , وفي الحديث (( إن الله لا ينظر إلى صوركم , ولا إلى أموالكم , ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) )

ونذكر أيضًا: طرفًا مما يتعلق بطرف الآية , قال العماد ابن كثير , في تفسيره: أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر , وشرح صدره بالكفر , واطمأن به , أنه قد غضب عليهم لعلهم بالإيمان , ثم عدولهم عنه , وأن لهم عذابًا عظيمًا في الدار الآخرة , لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة , فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة , لأجل الدنيا , وطبع على قلوبهم , فهم لا يعقلون بها شيئًا ينفعهم , وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها , ولا أغنت عنهم شيئًا , فهم غافلون عما يراد بهم.

وأما قوله: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] فهو استثناء ممن كفر بلسانه , ووافق المشركين بلفظه , مكرهًا على ما قاله , بضرب وأذى , وقلبه يأبى ما تقول , وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله؛ وروى العوفى عن ابن عباس: نزلت في عمار ابن ياسر، حين عذبه المشركون، فوافقهم على ذلك مستكرهًا؛ وروى ابن جرير بسنده، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه، حتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت