قاربهم في بعض ما أرادوا , فشكا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - , فقال: (( كيف تجد قلبك ) )قال: مطمئنًا بالإيمان؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إن عادوا فعد ) ).
وقال ابن إسحاق: وكانت بنو مخزوم , يخرجون بعمار بن ياسر , وبأبيه وأمه - وكانوا أهل بيت إسلام - إذا حميت الظهيرة , يعذبونهم برمضاء مكة , فيمر بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول فيما بلغني: (( اصبروا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ) )فأما أمه فقتلوها , وهي تأبى الإسلام؛ قال وحدثني حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير , قال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العذاب , ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم، والله إن كانوا ليضربون أحدهم , ويجيعونه ويعطشونه , حتى ما يقدر على أن يستوي جالسًا من شدة الضرر الذي به , حتى يعطيهم مما سألوه من الفتنة , افتداء منهم مما يبلغون من جهدهم.
قال العماد ابن كثير: والأفضل، والأولى: أن يثبت المسلم على دينه , ولو أفضى إلى قتله , كما ذكره الحافظ ابن عساكر، في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي , أحد الصحابة، أنه أسرته الروم، فجاؤوا به إلى عند ملكهم , فقال له: تنصَّر وأنا أشركك في ملكي , وأزوجك بنتي، فقال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملكه العرب , على أن أرجع عن دين محمد - صلى الله عليه وسلم - طرفة عين , ما فعلت , فقال: إذًا أقتلك؛ قال أنت وذاك , قال فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريبًا من يديه ورجليه، وهو يعرض على دين النصرانية , فأبى , ثم أمر به فأنزل , ثم أمر بقِدْرٍ , وفي رواية ببقرة من نحاس , فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين، فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح، وعرض غليه فأبى، ثم أمر به أن يلقى فيها، فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى , فطمع فيه ودعاه , فقال: إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة , تلقى في هذا القدر الساعة في الله , فأحببت أن يكون بعدد كل شعرة في جسدي , نفس تعذب هذا العذاب في الله.
وفي بعض الروايات: أنه سجنه ومنع منه الطعام والشراب أيامًا , ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير , فلم يقربه , ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي , ولكن لم أكن لأشتمك بي , فقال الملك: فقبل رأسي، وأنا أطلقك؛ فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين , قال: نعم؛ قال: فقبل رأسه , فأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده. فلما رجع , قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حق على كل مسلم , أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة , وأنا أبدأ , فقام فقبل رأسه رضي الله عنهما.
قال العماد رحمه الله تعالى: وكما كان بلال رضي الله عنه , يأبى على المشركين ذلك , وهم يفعلون به الأفاعيل , حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره , في شدة الحر , ويأمرونه أن يشرك بالله , فيأبى عليهم , وهو يقول: أحد أحد؛ ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها , رضي الله عنه وأرضاه