؛ وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم؛ فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع فلم يزل يقطِّعه إربًا أربًا , وهو ثابت على ذلك.
قلت: فهذه حال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما لقوا من المشركين من شدة الأذى , فأين هذا من حال هؤلاء المفتونين؟ الذين سارعوا إلى الباطل , و أوضعوا فيه , وأقبلوا و أدبروا , وتوددوا وداهنوا , وركنوا وعظموا , ومدحوا؟ فكانوا أشبه بما قال الله تعالى: {ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا به إلا يسيرًا} [الأحزاب: 14] نسأل الله تعالى الثبات على الإسلام , ونعوذ به من مضلات الفتن , ما ظهر منها وما بطن.
ومن المعلوم: أن الذين أسلموا، وآمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به , لولا أنهم تبرؤوا من الشرك و أهله، وبادروا المشركين بسب دينهم , وعيب آلهتهم، لما تصدوا لهم بأنواع الأذى، وذلك أنهم أعلم الأمة بالحنيفية , وأعلم التوحيد , كما قال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومه إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم} الآية [الممتحنة: 4] .
ثم إنه قال في رسالته: فمن شرح بالكفر صدرًا وارتد , وطابت نفسه بالكفر، فهو كافر.
فالجواب: أن يقال: تعداده ثلاث، تدل على جهله بنواقض الإسلام , لأن كل واحدة من هذه الثلاث , يكفر صاحبها , وبين هذه الثلاث تلازم و فمن شرح بالكفر صدرًا، فقد ارتد وطابت نفسه بالكفر، ومن طابت نفسه بالكفر، فقد ارتد وشرح بالكفر صدرًا , فحظ هذا الرجل التنطع بالكلام، من غير تصور للمعنى.
ثم إن آخر هذه الآية , يرشد إلى أن الذي أوقعهم في انشراح الصدر بالكفر , هو إيثار الدنيا على الآخرة , فقال: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} [النحل: 107] فإذا استحب الوطن أو المال , أو الأزواج , أو العشيرة , أو المساكن , أو التجارة , أو غير ذلك من أمور الدنيا , وترك لأجل ذلك ما وجب عليه، من الهجرة والجهاد، فقد تناوله هذا الوعيد، كما قال تعالى: {قل إن كان آبائكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} [التوبة: 24] .