الصفحة 134 من 461

قال المفسرون في قوله تعالى: {ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه} [الأعراف: 176] أي: مال إلى الدنيا وزهرتها، وآثرها على طاعة الله ومرضاته , فإذا كان هذا هو الواقع من هؤلاء , فما هذا القلب الذي اطمأن بالإيمان، مع وجود ما ينافي ذلك , من إيثار الدنيا والطمأنينة إليها والرغبة فيها، وترك ما أوجب الله تعالى عليه لأجلها , ومن ادعى ما ليس فيه، كذبته شواهد الامتحان، قال الله تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعلمون} [التوبة: 105] .

ثم إنه قال: وما أجلسه في بلده إلا حماية لنفسه وماله ولده.

فالجواب: أن نقول: هذا هو المحذور الأكبر , والذنب الأعظم، الذي ثبت الوعيد عليه في آية براءة , فلو كان لهذا فقه أو معرفة , لما اعتذر عن نفسه بأشياء لم آثر محبة النفس والمال والولد عليه، وقد ثبت في رواية أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة إلى المدينة، فمنهم من يتعلق به أهله وولده , يقولون: ننشدك بالله أن لا تضيعنا , فيرق عليهم ويدع الهجرة , فأنزل الله تعالى: {قل إن كان آبائكم وأبناؤكم}

إلى قوله: {والله لا يهدي القوم الفاسقين}

إذا عرفت ذلك، فلا يخفى: أن أهل نجد في هذه الحادثة , صاروا أصنافًا.

فالصنف الأول: دخلوا تحت حكم هذه الآية , لما ابتلوا بالعدو، أخلدوا إلى الأرض، ورضوا بالمقام معهم وتحت أمرهم، فتركوا ما وجب عليهم من الفرار بدينهم، ومفارقة عدوهم , إيثارًا لدنياهم، وأحبوا المقام، وداهنوا أولئك الأقوام، وخدموهم، وأعانوهم، وتقربوا إليهم بما لم يحبه الله ولا يرضاه , بلا قسر ولا إكراه.

الصنف الثاني - وهم أشد - نقضوا عهد الإسلام , واستجلبوا العدو إلى الأوطان، وآووهم وظاهروهم , ونصروهم، ونابذوا المسلمين المهاجرين , بالشتم والسب , وألبوا العدو عليهم، وصارت مسبة من هاجر هي دينهم , وسفهوا المسلمين، واستصلحوا بزعمهم حالهم، ظنًا منهم أنه لا طاقة لأحد بهذا العدو، وأن أمرهم سيستقر في جميع البلاد النجدية، فضلّ سعيهم وخابت آمالهم، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

الصنف الثالث: حصل منهم إقامة بين أظهرهم، ولم يتبين منهم ما يتبين من الصنفين، وهؤلاء قسمان، مستطيع للهجرة، وغير مستطيع، والله أعلم بحالهم، وهؤلاء لم يظهروا في العلانية ما يستدل به على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت