ثم قال: وفي السنن أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه , حكم بكفر أهل مسجد في الكوفة , قال واحد: إنما مسيلمة على حق فيما قال , وسكت الباقون , فأفتى بكفرهم جميعًا؛ فلا يأمن الإنسان: أن يكون قد صدر منه كلمة كفر , أو سمعها وسكت عليها , ونحو ذلك.
فالحذر الحذر، أيها العاقلون، والتوبة التوبة أيها الغافلون , فإن الفتنة حصلت في أصل الدين، لا في فروعه، ولا في الدنيا؛ فيجب: أن تكون العشيرة، والأزواج، والأموال , والتجارة , والمساكن، وقاية للدين، وفداء عنه , ولا يجعل الدين فداء عنها , ووقاية لها , قال تعالى: {قل إن كان آبائكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} [التوبة: 24] .
فتفطن لها وتأملها، فإن الله أوجب أن يكون الله ورسوله والجهاد، أحب من تلك الثانية كلها، فضلًا عن واحدة منها، أو أكثر، أو شيء دونها مما هو أحق، فليكن الدين عندك أعلى الأشياء وأعلاها، والتوبة أهم الأمور وأولاها , انتهى المقصود من كلامه.
رحم الله هذا الإمام ما أبصره، والحمد لله الذي جعل في كل زمان من يقول الحق , ويرشد إلى الهدى والصدق , وتندفع بعلمه حجج المبطلين , وتلبيس الجاهلين المفتونين , فيا لها من نعمة لا يستطيع من وفق لها أن يقوم بشكرها، فما ذاك إلا بتوفيق الله وفضله وإحسانه.
وأما هذا المغرور المسكين وأمثاله , فإنهم خاضوا في غمرات الافتتان , واطمأنت قلوبهم إلى أهل الظلم والعدوان , وأكثروا التردد عليهم والمسير إليهم طوعًا واختيارًا، وتعرضوا لما في أيديهم من حطام الدنيا سرًا وجهارًا , فأين القلب المطمئن بالإيمان، إذا كان مدعيه يجري مع الهوى في كل ميدان؟!
فما أشبه حال هذا وأمثاله , بالضرب الثاني , من الضروب الأربعة، الذين ذكرهم العلامة ابن القيم رحمه الله , وهم الذين لهم أوفر نصيب , من قوله: {لا تحسبن الذين يفرحون بما آتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم} [آل عمران: 188] يفرحون بما أتوا من البدعة والضلالة، ويحبون أن يحمدوا بإتباع السنة والإخلاص.
وهذا يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والعبادة عن الصراط المستقيم، فإنهم يرتكبون البدع والضلالات، والرياء والسمعة، و؟ نيحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الإتباع والإخلاص والعلم، فهم أهل الغضب والضلال.