وأما قول المعترض , المفتري في وصف نفسه في تلك الحالة: أنه هاجر للمناهي , عامل بالأمر؛ فهذا في غاية التناقض والمكابرة، فقد أقر قبل ذلك بأنه: كان في إقامته معهم , صابرًا على ما ينوبه منهم، من المهاون والخسائر، فإذا كان في عدادهم , وفي سوادهم، وطاعتهم، ومعونتهم بالمال , فلا ريب أن هذا كله من المناهي، فهو في أوامر أولئك الخلق، لا في رضا الإله الحق، وكلامه يناقض بعضه بعضًا.
فإن العامل بأوامر الله، الهاجر لمناهيه، لا تكون حالة كذلك، من موالاة الباطل والركون إليه، ومظاهرة أهله وتعظيهم، والتذلل لهم والخضوع بين أيديهم، وكل هذه الأمور قد أسجل الله في كتابه على فاعلها بالوعيد الشديد , وسلب الإيمان , و حبوط الأعمال، والله المستعان؛ فلو ترك هؤلاء المراء والجدال، وأحجموا عن هذه الترهات، وتابوا وأنابوا إلى عالم السر والخفيات , لكان خيرًا لهم.
وأما قوله: فذاك- والله - عندنا المسلم المهاجر؛ فأقول: ألا تعجبون يا إخواني من هذا المسكين، و أيم الله لا يقول هذا من له مسكة من عقل، يدعي الهجرة، ويقصرها على من تركها رأسًا، أين ذهب عقله عن قول الله تعالى: {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقًا حسنًا} الآية [الحج: 58] وقوله: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعة} [النساء: 100] وقوله: {يا عبادي الذين آمنوا إن أراضي واسعة فإياي فاعبدون * كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون} [العنكبوت: 56 - 57] إلى غير ذلك من الآيات، والمعرفة بالهجرة وثوابها , وأنها الانتقال من الأوطان والمساكن , ومفارقة الأهلين والإخوان , في طاعة الله ومرضاته.
فالمهاجر هجر أهل الكفر والمعاصي , بمفارقتهم، والانتقال عنهم , إلى محل لا يرى فيه منكرًا , ولا يسمع فيه باطلًا عنهم , تحيزًا بدينه، كما دل عليه الكتاب , والسنة , والعقل , والفطرة , وعليه المسلمون قاطبة؛ فما أشبه هذا الرجل , في صرف الهجرة عن حقيقتها الشرعية , بالباطنية الملاحدة , في تأويلهم الشريعة على غير حقائقها , التي أرادها من العباد.
قال العماد ابن كثير , في الآية الأولى: يخبر عمن خرج مهاجرًا سبيل الله , ابتغاء مرضاته , وترك الأوطان و الأهلين , والخلان , وفارق بلاده في الله ورسوله , ونصرة دين الله , ثم قتلوا , أي في الجهاد , أو ماتوا حتف أنوافهم من غير قتال , فقد حصلوا على الأجر الجزيل، والثناء الجميل , كما قال تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} [النساء: 100] .