ومن المعلوم بالضرورة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه , هاجروا عن مكة , وهي أفضل البلاد , وأحبها إلى الله , ولحقوا بالمدينة , امتثالًا لأمر الله , وطلبًا لمرضاته , وعداوة لأعدائه , وقد قال تعالى , فيمن لم يهاجر منهم {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} إلى قوله: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} .
ولم يستثني من هذا الوعيد , إلا من ترك الهجرة لعدم الاستطاعة , فقال:: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} [النساء: 97 - 98] وما سموا مهاجرين , وإن كانوا معذورين {يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا} الآية [النساء: 75] .
فسبحان الله: ما أسرع هذا الرجل إلى الخطأ , و الخطل , وإن كان لا يعذر بالإقامة إلا من جمع هذين الوصفين , فما عذر امرئ صير على المهاون , والخسائر , ومشاهدة المعاصي والكبائر , وهو على مفارقة ذلك كله قادر، وما عذره في الصبر على ترك ما وجب عليه , وفعل ما حرمه الله تعالى , لكن هؤلاء فرحوا بما عندهم من المحال , وقنعوا بما ألفوه من الخيال , وتركب من هذا إيثار ما عندهم على ما سواه.
وقد يحمل ذلك: على أن يأمر بالباطل ويرتضيه , ومن لم يأمر به منهم لم ينه عنه , بل يقره ولا ينفيه؛ وقد يرجح أهل الشرك والمعاصي على الموحدين , وهذا مما يبتلى به أهل الأهواء , والمعافى من عافاه الله , من إيثار أمر دنياه على أخراه , وهذا هو الواقع من بعض هؤلاء.
وقد ذكر أئمتنا , من أهل السنة , رحمهم الله تعالى: أنه وقع من أناس في زمانهم وقبله , لا يبلغ هؤلاء معشار ما عندهم , من الفهم والعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله , وحسبنا الله ونعم الوكيل , لقد أحسن من قال:
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
والبصير لا يغتر باستحسان هؤلاء وأمثالهم , ما ركبوه وزينوه من باطلهم , ولا بتركهم الحق واستهجانهم له ولأهله , فإن الله تعالى ميز الخلق , بإرادتهم وأعمالهم وأقوالهم , وبين الصادق من الكذاب , وتدبر كتاب الله , وتفكر في آياته وحججه وبيناته , ولقد أحسن من قال شعرًا:
فالحق شمس والعيون نواظر ... لكنها تخفى على العميان
وأما قوله: ومن كفر مسلمًا فهو كافر.