الصفحة 141 من 461

إذا عرف ذلك: فلو قدر أن رجلًا من المسلمين، قال في أناس قد تلطخوا بأمور , قد نص العلماء على أنها كفر , مستندين في ذلك إلى الكتاب والسنة , غيرة لله وكراهة لما يكره الله من كفر مسلمًا فهو الكافر شخصًا بعينه، اللهم إلا أن يحكي أفعالهم , فيظن السامع لذلك أنه كفرهم.

وأما الحديث الذي ذكرناه , فقد تأوله العلماء بما هو معروف , كأمثلة من أحاديث هذا الباب , كحديث: (( سباب المسلم فسوق , وقتاله كفر ) )وأيضًا، فهو مقيد بقوله: وليس كذلك؛ ولا يخفى ما جرى من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كقوله في مالك بن الدخشم: إنه منافق , لا يحب الله ورسوله , فلم يعنفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بل قال: (( ألا تراه قال لا إله إلا الله ) )فقال الله ورسوله أعلم، فإنا نرى وجهه ونصيحته للمنافقين، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله ) )وقد قال بعض العلماء: إن ذلك الرجل كان من أهل بدر.

ومن المعلوم: أن الخوارج طعنوا على ولاة الأمر، وكفروا عليًا ومن قاتل معه من الصحابة وغيرهم، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر بقتالهم، والبشارة لمن قاتلهم، كما هو معروف ثابت في الصحيحين، والسنن، و المسانيد؛ ولما قيل لعلي: أكفار هم؟ فقال: من الكفر فروا؛ فلو ذكرنا الأحاديث الواردة في الخوارج، لطال الجواب.

وكلام العلماء على الحديث المتقدم ذكره، قال النووي في شرح مسلم (( ومن دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه ) )هذا مما عده بعض العلماء من المشكلات، فإن مذهب أهل الحق: لا يكفر المسلم بالمعاصي، كالقتل و الزنا.

وفي تأويل الحديث أوجه، أحدها: أنه محمول على المستحل؛ والثاني: معناه رجعت عليه معصيته؛ والثالث: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين، وهذا ضعيف، لأن الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون المحققون: أن الخوارج لا يكفرون؛ والرابع: أنه يؤول إلى الكفر، لأن المعاصي بريد الكفر، انتهى، ملخصًا.

فانظر إلى ما حكاه النووي رحمه الله، من أن الصحيح الذي قاله الأكثرون المحققون: أن الخوارج لا يكفرون ببدعتهم , وحسبك بهذا الإمام، فمن تأمل أقوال الصحابة رضي الله عنهم , عرف الخطأ من الصواب، لكن من أعظم الآفات عدم العلم وفساد القصد، وهما آفة الأكثرون، وفساد الدين، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، فما الذي حمل هذا المسكين على التمويه على جهلة الناس، وتشكيكهم في أمر دينهم والإلباس.

فمن ذلك قوله في آخر ورقته: فرحم الله امرءًا قال الحق، وبه صدع، فالحق أحق أن يتبع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت