الصفحة 142 من 461

فالجواب أن يقال: تأمل ما تقدم من الجواب، فإن الحق بحمد الله فيه ظاهر، فإن كان طالب حق وجده , و إلا فقد قامت عليه الحجة، وانزاحت الشبهة، عمن أراد البيان ووفق لفهم العلم والإيمان , والله المستعان؛ فعسى الله أن يمنع عنه موانع الهداية , وأسباب الضلالة والغواية , فإن هذا الرجل: قد قال بمقاله الخوارج وهو لا يدري , وذلك في قوله: ومن كفر مسلمًا فهو كافر , وبيانه فيما أسلفنا من كلام النووي رحمه الله , من أن مذهب أهل السنة والجماعة عدم التكفير بالذنوب، وهذا قد حكم بالكفر على مرتكب هذا الذنب.

فلو قدر أن أحدًا قال في حق مسلم صحيح الإسلام أنه كافر , فأهل السنة لا يكفرونه بذلك، لأن هذا ذنب من الذنوب , وقد عرفت تأويلهم للحديث , وأن الأخذ بالظواهر المخالفة لأصول السنة , وما عليه الصحابة والتابعون وعلماء الأمة , هو رأي الخوارج، كما قال العلامة ابن القيم رخمه الله شعرًا:

من لي بشبه خوارج كفروا بالذنب تأويلًا بلا حسبان

ولهم نصوص قصروا في فمها فأتوا من التقصير في العرفان

هم خالفوا نصًا لنص مثله لم يفهموا التوفيق بالإحسان

لكنكم خالفتم المنصوص با لشبه التي هي فكرة الإنسان

والمقصود: بيان حال صاحب الورقة، وأنه قال بقول الخوارج، المخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، فكفر المسلمين بدعوى ادعاها , لعلة اختلقها , أو تلقها ممن لا يعتمد عليه , ولا يعول في الأخبار عليه؛ وقد تقدم قوله في الهجرة: أن من لزم وطنه، مع ما يقع فيه من الظلم والفساد , أنه هو المهاجر الصابر؛ وقد عرفت: أنه عكس الحقيقة، وخالف الكتاب والسنة , والفطرة السليمة , والعقول الصحيحة , و أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة.

وقوله المشار إليه , يشبه قول الباطنية الإسماعيلية الملاحدة، الذين تأولوا شرائع الدين على غير حقائقها , وقولهم يتضمن تعطيل الشرائع , وهم من أضر المبتدعة على دين الإسلام , هذا ونحن نعلم: أنه قد وقع فيما وقع فيه عن جهالة , فلو عرف حقيقة حال المبتدعة , لعلم أن اقتفاء آثارهم من أعظم المطاعن عليه، لكنه يقال في حق مثله شعرًا:

إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

ومن عجيب أمر هذا الرجل وأمثاله، ممن انتصب للتدريس بلا علم , وأفتى من غير إجازة ولا فهم , أن منهم من يصرح بتكفير أهل لا إله إلا الله، علمًا وعملًا ودعوة وجهادًا، بكونهم يكفرون عباد الأوثان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت