ويصبر على أذاهم , فقد قال تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} الآية [العنكبوت: 10] والله المستعان.
وأما السؤال , عن قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] فالآية نزلت في شأن عمار بن ياسر، لما عذبه مشركو مكة , وحبسوه في بئر ميمون، وأكرهوه على كلمة الكفر , فقالها تخلصًا من عذابهم , فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: (( فإن عادوا فعد ) )وهذا قبل وجوب الهجرة، فأنزل الله هذه الآية.
وأما حديث (( أ، ا برئ من مسلم بين أظهر المشركين , لا تراءا ناراهما ) )فهذا في حق من له قدرة على البعد عنهم , وأما من لا يمكنه البعد عنهم , بحيث لا يقدر ذلك بوجه من الوجه , فلا.
وأما حديث (( من أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع , فأولئك هم الهالكون ) )فقد تقدم بيان ذلك في معنى حديث (( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ) )فالإنكار يجب مع الاستطاعة , والكراهة هي أضعف الإيمان.
وأما الرضا بالمنكر، والمتابعة عليه، فهو الهلاك الذي لا يرجى معه فلاح.
وسئل: عمن سافر إلى بلاد المشركين للتجارة؟
فأجاب: أما السفر إلى بلاد المشركين للتجارة، فقد عمت به البلوى، وهو نقص في دين فاعله، لكونه عرض نفسه للفتنة، بمخالطة المشركين، فينبغي هجره و كراهته، وهذا هو الذي يفعله المسلمون معه، من غيره تعنيف ولا سب، ولا ضرب، و يكفي في حقه إظهار الإنكار عليه، وإنكار فعله، ولو لم يكن حاضرًا، و المعصية إذا وجدت، أنكرت على من فعلها أو رضيها، إذا اطلع عليها.
وسئل أيضًا: الإنسان إذا لم يحصل له الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أنه يهاجر؟
فأجاب: هذه المسألة، كما قال العلماء رحمهم الله تعالى، تجب الهجرة على من عجز عن إظهار دينه بدار الحرب، فإن قدر على إظهار دينه، فهجرته مستحبة لا واجبة.
وقال بعضهم بوجوبها، لما في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( أنا بريء من مسلم بين ظهراني المشركين ) )فإن لم تكن البلد بلد حرب، و لم يظهر الكفر فيها، لم نوجب الهجرة منها، إذا لم يكن فيها إلا المعاصي؛ وعلى هذا يحمل الحديث الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ) )الحديث.