وقوله: {تجري من تحتها الأنهار} يقول: تجري من تحت أشجارها الأنهار {خالدين فيها} يقول ماكثين فيها إلا ما لا نهاية {نعم أجر العاملين} يقول نعم جزاء العاملين بطاعة الله هذه الغرف {الذين صبروا} على أذى المشركين في الدنيا , وما كانوا يلقون منهم، وعلى العمل بطاعة الله وما يرضيه، وجهاد أعدائه {وعلى ربهم يتوكلون} في أرزاقهم , وجهاد أعدائهم , فلا ينكلون عنهم , ثقة منهم , بأن الله معلي كلمته , موهن كيد الكافرين، وأن ما قسم لهم من الرزق، فلن يفوتهم.
{و كأين من دابة لا تحمل رزقها} يقول تعالى: ذكره للمؤمنين به وبرسوله - صلى الله عليه وسلم: هاجروا وجاهدوا في الله، أيها المؤمنين أعداءه , ولا تخافوا عَيْلةً ولا إقتار، فكم من دابة ذات حاجة، إلى غذاء ومطعم ومشرب {لا تحمل رزقها} يعني غذاءها فترفعه في يومها لغدها لعجزها عن ذلك {الله يرزقها وإياكم} يومًا بيوم {وهو السميع} لأقوالكم: نخشى بفراقنا الأوطان العيلة {العليم} ما في نفوسكم، وما إليه صائر أمركم , وأمر عدوكم، من إذلال الله إياهم، ونصرنكم عليهم , وغير ذلك من أموركم , لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه.
وقوله: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون} [العنكبوت: 61] يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد، هؤلاء المشركين بالله، من خلق السماوات والأرض فسواهن، ليقولن الذي خلق ذلك وفعله الله , فأنى يؤفكون , يقول جل ثناؤه: فأنى يصرفون عمن صنع ذلك، فيعدلون عن إخلاص العبادة له، وذكر بسنده عن قتادة: فأنى يؤفكون: أي: يعدلون.
وقوله: {الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده وبقدر له إن الله بكل شيء عليم} [العنكبوت: 62] يقول تعالى ذكره: الله يوسع من رزقه لمن يشاء من خلقه , ويضيق فيقتر لمن يشاء منهم؛ يقول: فأرزاقكم وقسمتها بينكم أيها الناس بيدي , دون كل أحد سواي , أبسط لمن شئت منها، وأقتر على من شئت، فلا يخلفكم عن الهجرة وجهاد عدوكم خوف العيلة، إن الله بكل شيء عليم، يقول إن الله عليم بمصالحكم , ومن لا يصلح له إلا البسط في الرزق، ومن لا يصلح له التقتير عليه، وهو عالم بذلك، انتهى.