الصفحة 149 من 461

وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} إلى آخر الآية [النساء: 97] قال البخاري: قال حدثنا عبد الله بن زيد المقري، قال حدثنا حيوة وغيره , قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعث , فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس , فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي.

ثم قال: أخبرني ابن عباس: أن أناسًا من المسلمين , كانوا مع المشركين، يكثرون سوادهم , على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , يأتي السهم , يرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله , أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} ثم ذكر كلام ابن جرير , المتقدم.

ثم قال: فهذه الآية الكريمة , عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين , وهو قادر على الهجرة , وليس متمكنًا من إقامة الدين , فهو ظالم لنفسه , مرتكب حرامًا بالإجماع , وبنص هذه الآية , حيث يقول تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} أي بترك الهجرة {قالوا إن كنا مستضعفين في الأرض} أي لا نقوى على الخروج من البلد , ولا الذهاب في الأرض {قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأوهم جهنم وساءت مصيرًا} .

ثم ذكر رواية السدي قال: لما أسر العباس، و عقيل ونوفل , قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعباس: (( افد نفسك وابن أخيك ) )قال يا رسول الله ألم نصل قبلتك؟ ونشهد شهادتك؟ قال (( يا عباس: إنكم خاصمتم فخصمتم ) )ثم تلا عليه هذه الآية {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأوهم جهنم وساءت مصيرًا} .

ثم رغب سبحانه في الهجرة , فقال: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعة} الآية [النساء: 100] وهذا تحريض على الهجرة , وترغيب في مفارقة المشركين , فإن المؤمن حيثما ذهب , وجد عنهم مندوحة , وملجأ يتحصن فيه. وقوله: يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعة؛ أي: من الضلال إلى الهدى , ومن القلة إلى الغنى.

ثم قال: وإن كان سبب نزول هذه الآية، خاص فيمن كان مع المشركين، حرب رسول - صلى الله عليه وسلم -، فحكمها عام، باق إلى يوم القيامة، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، و لحديث عبد الله ابن السعدي، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو ) )رواه أحمد و النسائي؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت