ولكن الكلام في المسلم، القادر على الهجرة، التارك لها، فإن انضم إلى ذلك عدم رؤية الذنب , والإقرار به , والتمس العذر لنفسه، واحتج لها، فهو أشد خطرًا لجحود الفرض المأمور به، المخاطب به كل من ابتلى بمشرك، فيا ويح من تصدى لذلك، وفيما تقدم من كلام المفسرين كفاية لمن أراد الله هدايته ونجاته.
ونزيد ذلك إيضاحًا بنقل كلام بعض العلماء و شراح الحديث لئلا يبهرج على ضعفاء البصائر.
قال الإمام: ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في شرح البخاري:
قوله: باب لا هجرة بعد الفتح، أي فتح مكة؛ أو المراد ما هو أعم من ذلك، إشارة إلى حكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحها المسلمون.
أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة، الأول: قادر على الهجرة منها، ولم يمكنه إظهار دينه بها، ولا أداء واجباته، فالهجرة منها واجبة.
الثاني: قادر يمكنه إظهار دينه بها , وأداء واجباته، فالهجرة منها مستحبة، لتكثر المسلمين، ومعونتهم، وجهاد الكفار، والأمن من غدرهم، والراحة من المنكر بينهم.
الثالث: عاجز بعذر، من أسر، أو مرض، أو غيره، فيجوز له الإقامة، فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أُجِرَ، انتهى.
وقال أبو الفوز"هو محمد أمين بن علي السويدي، وانظر صفحة: 199 من العقد الثمن في محاسن الدين، لأبيه على"في نقله عن ابن حجر المكي، وهو من أئمة الشافعية - لما ذكر الأحاديث الدالة على وجوب الهجرة - ما ملخصه: والمسلم الكائن بدار الكفر، إن أمكنه إظهار دينه، وأمن فتنته في دينه، استحب له الهجرة إلى دار الإسلام، لئلا يكثر سواد الكفار، وربما كادوه، وإن لم يمكن المسلم الكائن بدار الكفر إظهار دينه فيها، وخاف فتنته في دينه، وجبت عليه الهجرة إلى دار الإسلام، و أثم بالإقامة، ولو كان المسلم امرأة، وإن لم تجد محرمًا يذهب معها إلى دار الإسلام، لكن إذا أمنت على نفسها من فاحشة وغيرها.
فإن لم يطق الهجرة، فمعذرة، لقوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة} [النساء: 97] أي ملك الموت وأعوانه، أو أراد ملك الموت وحده، كما قال تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} [السجدة: 11] والعرب قد تخاطب الواحد بلفظ الجمع {ظالمي أنفسهم} أي: في المقام في دار الشرك، وترك الهجرة {وقالوا} أي الملائكة توبيخًا لهم {فيما كنتم} أي: في أي شيء كنتم من أمر دينكم {قالوا كنا مستضعفين في الأرض} اعتذروا مما وبخوا كلمته {وقالوا} أي