الصفحة 153 من 461

الملائكة تكذيبًا لهم وتبكيتًا {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} إلى قطر آخر {فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا} .

وذكر ابن حجر عن صاحب المعتمد: أن الهجرة كما تجب من بلاد الكفار، تجب من بلاد الإسلام إذا أظهر المسلم بها واجبًا، ولم يقبل منه , ولا قدر على إظهاره، قال: ويوافقه قول الإمام البغوي، ولا تفسير سورة العنكبوت، في تفسير قوله تعالى: {يا عبادي الذين آمنوا إن أراضي واسعة فإياي فاعبدون} [العنكبوت: 56] قال: قال سعيد بن جبير: إذا عمل في أرض بالمعاصي فاخرجوا منها، فإن أرضي واسعة، وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا، فإن أرضي واسعة.

وكذلك يجب على كل من كان ببلد، يعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغييرها الهجرة إلى حيث تتهيأ له العبادة، لقوله تعالى: {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} [الأنعام: 68] .

وقال البيهقي في شعبه , ما نصه: اعلم أن الهجرة على ضربين , ظاهر , وباطن , ثم قال: فالظاهر منها - أي: من الهجرة - الفرار بالجسد من الفتن , لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أنا برئ من أهل ملتين , لا تتراءا ناراهما ) )فتبرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم , لعدم هذه الشعبة فيهم، وهي: الهجرة , فهي إذًا من أعظم شعب الإيمان.

ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - - وقد ذكر الفتن - (( لا يسلم لذي دين دينه , إلا من فر من شاهق إلى شاهق ) )قال الله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كن مستضعفين في الأرض} [النساء: 97] .

وفي البخاري: والفرار من الفتن , من الإيمان؛ فما كان من الإيمان فهو من شعبه بلا شك؛ فالفرار ظاهر من بين ظهراني المشركين , واجب على كل مسلم؛ وكذلك كل موضع يخاف فيه الفتنة في الدين , من ظهور بدعة، أو ما يجر إلى كفر، في أي بلد كان من بلدان المسلمين، فالهجرة منه واجبة إلى أرض الله الواسعة، انتهى ما ذكره البيهقي رحمه الله تعالى.

قال الغزالي - بعد ذكر كلام كثير من السلف - فهذا يدل أن من بلي ببلدة , قد استولى عليها حكم الكفار , وظهرت فيها أعلامهم وشعائرهم , فلا عذر له في المقام بها , بل يجب عليه أن يهاجر، كما قال تعالى: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} فالبلاء والشر إذا ظهرا في قطر، ولم يحرز المسلم نفسه، شمل العقاب والذم، الطائعين والعاصين، انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت