قال الإمام: أبو عبد الله الحليمي في شعب الإيمان: ومن الشُّحِّ بالدين: أن يهاجر المسلم من موضع , لا يمكنه أن يوفي الدين فيه حقوقه , إلى موضع يمكنه فيه ذلك، فإن أقام بدار الكفر والمعصية , ذليلًا مستضعفًا، مع إمكان انتقاله عنهما، فقد ترك فرضًا في قول كثير من العلماء، لقوله تعالى، {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية.
لا يقال: ليس في الآية تصريح بذكر المؤمنين , فيجوز أن يكون المراد بها الكافر الذي مال إلى الإيمان؛ وأيضًا فإنها نزلت قبل فتح مكة، فلما فتحت قال - صلى الله عليه وسلم: (( لا هجرة بعد الفتح , ولكن جهاد ونية ) ).
فنقول: ذكر العفو عمن استثنى منهم، حيث قال في أخرها: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} [النساء: 97 - 98] يرد ذلك، فإن الله تعالى لا يعفو عن الكافر , وإن عزم على الإيمان، ما لم يؤمن.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - (( لا هجرة بعد الفتح ) )معناه: لا هجرة من مكة بعد أن صارت دار إسلام، فلا يدل على نفي وجوب الهجرة من غيرها , إذا لم يمكن إقامة الدين فيها , فإنها حينئذ كمكة قبل الفتح، ولو صارت مكة - والعياذ بالله - بحيث لا يمكن المقيم بها إقامة دينه، وجبت الهجرة منها أيضًا , لأنها إنما وجبت منها أولًا لهذا المعنى، فحيث وجدت هذه العلة ثبت الحكم.
وكل بلد ظهر فيه الفساد , وكانت أيدي المفسدين أعلى من أيدي أهل الإصلاح، أو غلب الجهل على أهله، وتشعبت الأهواء بهم، وضعفت العلماء وأهل الحق عن مقاومتها، واضطروا إلى كتمان الحق خوفًا على أنفسهم من الإعلان به، فهو كمكة قبل الفتح في وجوب الهجرة منها عند القدرة عليها , ومن لم يهاجر - والحالة هذه - لم يكن من الأشحاء بدينه، بل من السمحاء المتساهلين فيه، انتهى ما ذكره الحليمي رحمه الله تعالى.
ولو نقلنا كلام الأئمة الأعلام من أهل المذاهب في هذا الباب لطال الجواب، وهو بحمد الله بين واضح في محاله.
فإن قيل: ما ذكرتم خاص بالكفار، كيف تجعلوننا مثل الكفار؟ أم كيف تنزلون الآيات النازلة فيمن حارب الرسول - صلى الله عليه وسلم - , وصار مع الكفار أعداء الرسول , علينا؟