وقد هجر النبي - صلى الله عليه وسلم - الثلاثة مع إيمانهم، وأجلى عمر صبيغًا إلى وطنه , وأمر بهجره، ونهى الناس عن كلامه , ولم يزل الصحابة رضي الله عنهم يهجرون في أقل من هذا , وفي الحديث الصحيح , الذي رواه أبو داود والترمذي، و الدارقطني والطبراني، من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه: أن رسول - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أنا برئ من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين ) )وأخرجه أيضًا ابن ماجه، ورجال إسناده ثقاة , وله شاهد من حديث معاوية بن حيدة مرفوعًا (( لا يقبل الله من مسلم عملًا , أو يفارق المشركين ) )أخرجه النسائي، وحديث سمرة مرفوعًا (( من جامع المشرك ) )إلى آخره , رواه أبو داود.
ويشهد لصحة هذه الأحاديث، قوله تعالى: {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم} [النساء: 140] فنحن نتبرأ مما تبرأ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونجانبه , شاء العاصي أم أبى.
وقد ذكر محي السنة البغوي كلامًا يحسن ذكره ههنا، قال: فأما هجر أهل العصيان , وأهل الريب في الدين , فيشرع إلى أن تزول الريبة عن حالهم، وتظهر توبتهم؛ قال كعب بن مالك - حين تخلف عن غزوة تبوك - ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا , وذكر خمسين ليلة؛ وجعل محمد بن إسماعيل - رحمه الله - حد التبين: توبة العاصي؛ وقال عبد الله بن عمر: لا تسلموا على شربة الخمر؛ وقال أبو الدرداء: لن تفقه كل الفقه، حتى تمقت الناس في ذات الله، ثم تقبل على نفسك، فتكون لها أشد مقتًا، انتهى كلامه رحمه الله.
والأصل الجامع لهذا: أن معرفة استحقاقه سبحانه وتعالى , أن يعبد خوفًا ورجاء , وإجلالًا ومحبة وتعظيمًا , لا تبقى في القلب السليم محبة لأعدائه و موادة، لأن المحبة أصل كل عمل من حق وباطل، فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله , كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله؛ فلما غلب على الناس حب الدنيا، وإيثارها، أنكروا هذا , ونسوا ما كانوا عليه أولًا {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق} [غافر: 5] جهلًا منهم بحقيقة الإسلام، ولوازمه وقواعده العظام، ولو لم يكن في هذا إلا سد الذرائع، المفضية إلى عقد المصالحة، بين المسلم والمشرك، لكان كافيًا، ولكن لغلبة الجهل، وقلة العلم , وإيثار الدنيا، فتح بعض المنتسبين أبوابًا على حصن الإسلام، إيثارًا لموافقة العوام , وليت هؤلاء احتاطوا لأديانهم , بعض ما احتاطوا لرياستهم وأموالهم، وما أحسن ما قيل:
قد كنت عدتي التي أسطو بها ويدي إذا عض العدو ساعدي
فدهيت منك ما أملته ... والمرء يشرق بالزلال البارد