والذي أوصيكم به: تقوى الله تعالى , ومعرفة تفاصيل ذلك , على القلوب والجوارح , ومعرفة الأحكام الشرعية الدينية عد تغير الزمان , وكثرة الفتن وظهور الهرج، وقد ورد (( إن الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات , والعقل الراجح عند منازعة الشهوات ) )وذكر أبو داود وغيره من أهل السنن: ما ينبغي مراجعته واستحضاره , عند ذكر الفتن والملاحم وذكر ابن رجب في رسالته (( كشف الكربة في فض الغربة ) )ما يسلي المؤمن ويعزيه؛ وذكر ابن القيم رحمه الله في (( المدارج ) )جملة صالحة؛ وفي الأثر (( العبادة في الهرج كهجرة إلي ) )وفي حديث الغرباء (( للعامل منهم أجر خمسين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ).
والذي أرى لكم في هذه الخلطة , الصبر على مقام الدعوة , بالتطلف بالإبلاغ عن نبيكم , وهذا مع القدرة وأمن الفتنة أفضل من العزلة , والإقلاع من مخالطة الناس لمن أمكنه أسلم , وإني لأود أن أ:,ن مثل أحدكم في هذا الزمان , ولكني ابتليت بالناس , وحيل بيني وبين ذلك , والله المستعان , وإليه المشتكى وعليه التكلان، ولا حولة ولا قوة إلا بالله , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكتب إليهم أيضًا: فقال - بعد سلام - وجاءكم مني مكاتبات في هذه الحوادث العمى , ولم يلغني عنكم ما يسر من القبول والقيام لله , والحق على طالب العلم، والمنتسب إلى الدين والفهم , أكبر منه على غيره، والواجب عليه آكد , والعاقل لا يرضى لنفسه سبيل المداهنة والبطالة، و قَدْدَهم الإسلام من الحوادث ما تعجز عن حمله الجبال الراسيات، وتصغير في جنبه كل المحن والمصيبات، فما مضت فتنة إلا إلى ما هو أكبر من الشرك و الكفريات.
ومع ذلك فكثير من الناس قد التبس عليه الأمر , وخفي عليه المخرج والحكم , وكثر الخوض والاعتراض , من بعض من ينتسب إلى القراءة ويدعي الفهم والطلب , واتبع جمهور أولئك ما يهواه من غير بينة ولا سلطان , ولا يتهم أحد رأيه، ولم يرجع إلى المحاقة والفكرة , حتى انهدم بنيان الإسلام , ولم يستوحش الأكثرون من ولاية عباد الأوثان والأصنام.
وما أحسن ما قال سهل بن حنيف , فيما رواه البخاري , قال: حدثنا الحسن بن إسحاق , حدثنا محمد بن سابق , حدثنا الحسن بن إسحاق , حدثنا محمد بن سابق , حدثنا مالك بن مِغْوَل , قال سمعت أبا حصين، قال: قال أبو وائل - لما قدم سهل بن حنيف من صفين - أتيناه نستخبره , فقال: اتهموا الرأي فلقد رأيتني يوم أبي جندل , ولو أستطيع أن أرد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددت , والله ورسوله أعلم , وما وضعنا أسيافنا عن عواتقنا إلا أسهل بنا إلى أمر لا نعرفه فبل هذا الأمر , وما نسد خصمنا إلا انفجر خصم، ما ندري كيف نأتي له , والسلام.