الصفحة 164 من 461

وسئل: رحمه الله تعالى: وأما السؤال عمن يسافر إلى بلد المشركين، التي يعجز فيها عن إظهار ما وجب لله من التوحيد والدين , ويعلل بأنه لا يسلم عليهم ولا يجالسهم , ولا يبحثون عنه سره , وأنه يقصد التوصل إلى غير بلاد المشركين , ونحو ذلك من تعاليل الجاهلين.

فاعلم: أن تحريم ذلك السفر قد اشتهر بين الأمة وأفتى به جماهيرهم , وما ورد من الرخص محمول على من يقدر على إظهار دينه , أو على من كان قبل الهجرة , ثم إن الحكم قد أنيط بالمجامعة و المساكنة , وإن لم يحصل سلام ولا مجالسة , ولا بحث عن سره , كما في حديث سمرة (( من جامع المشرك أو سكن معه فإنه مثله ) )فانظر ما علق به الحكم , من المساكنة والاجتماع , وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلة , فإن وقع مع ذلك سلام ومجالسة , أو فتنة بالبحث عن عقيدة وسره , عظم الأمر , واشتد البلاء , وهذه محرمات مستقلة , يضاعف بها الإثم والعذاب , فكيف تروج الفتنة أحد مقاصد الهجرة , وهو غير منتف مع هذه التعاليل.

ومن مقاصد الهجرة: الانحياز إلى الله بعبادة , والإنابة إليه، والجهاد في سبيله، و مراغمة أعدائه , وإلى رسوله بطاعته , وتعزيز ونصره , ولزوم جماعة المسلمين , ولذلك يقرن الهجرة بالإيمان , في غير موضع من كتاب الله عز وجل وكل هذا غير حاصل، وإن فرض صدق القائل فيما علل به - والغالب كذب هذا الجنس - فإن الأعمال الظاهرة تنشأ عما في قلوب , من الصدق والإخلاص , أو أنزل الله على رسوله , ولم يلتفت إلى العالم , تسرع إليه الفتنة أسرع من السيل إلى منحدره.

ولذلك غلب على كثير من الناس , عدم النفرة , فرحل إليهم من رحل , وقلبوا رسائلهم , وأفشوها في الناس , وأعانهم بعض المفتونين عن دينهم , وجالسهم , وراسلهم بعض من يقول الدين في القلوب , ولم يلتفتوا إلى الأعمال الإسلامية , والشرائع الإيمانية , ولو صدق ما زعموه في قلوبهم , لأطاعوا الله ورسوله , واعتصموا به , أعاذنا الله وإياكم من مضلات الفتن؛ وحماية جناب التوحيد؛ وسد الذرائع الشركية , من أكبر المقاصد الإسلامية , وقد ترجم شيخنا , في كتاب التوحيد , لهذه القاعدة , فرحمه الله من إمام ما أفقهه في دين الله , وما أعظم غيرته لربه وتعظيمه لحرماته , وما أحسن أثره على الناس.

وله أيضًا: صب الله عليه من شآبيب بره , ووالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت