, حصل للإسلام من الظهور والنصر , وإعلاء كلمة الله , ما لم يحصل مثله في دياركم وأوطانكم , منذ قرون متطاولة , فيجب شكر هذه النعمة , ورعايتها حق الرعاية , والعض عليها بالنواجذ , وأن لا يستبدل بموالاة أعداء الله ورسله , والانحياز إلى دولتهم , والرضا بطاعتهم , قال تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار} الآية [إبراهيم: 28] .
فاتقوا الله عباد الله , واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله , ودعوا اللجاج و المراء , وتمسكوا بما جاء عن الله وعن رسوله , من البينات والهدى , ولا يسهل لديكم مبارزة رب السماوات العلى , بما عليه غالب الناس اليوم , من الكفر والتعطيل والشرك والجدال و المراء , ولا تفتحوا أبواب الفتن للمشاقة والتفرق , والقدح في أهل الإسلام , فإن ذلك من الصد عن سبيل الله , ومن الفتنة عن دينه الذي ارتضاه , وقد جاء الحديث (( إن هذا الحي من مُضَر لا تدعُ لله في الأرض عبدًا صالحًا إلا فتنته وأهلكته , حتى يدركها الله بجنود من عنده , فيذلها حتى لا تمنع ذَنَبَ تَلْعَة ) ).
وبعض من يدعي الدين: إنما يتعبد بما يحسن في العادة ويثنى عليه به؛ وما فيه مقاطعة ومجاهدة وهجر في ذات الله , و مراغمة لأعدائه , فذالك ليس منه على شيء , بل ربما ثبط عنه وقدح في فاعله , وهذا كثير في المنتسبين إلى العبادة , والمنتسبين إلى العلم والدين , والشيطان أحرص شيء على ذلك منهم , لأنهم يرونه غالبًا دينًا وحسن خلق , فلا يتاب منه ولا يستغفر , ولأن غيرهم يقتدى بهم , ويسلك سبيلهم , فيكونون فتنة لغيرهم , ولهذا حذر الشارع من فتنة من فسد من العلماء والعباد , وخافه على أمته؛ فأما المؤمن إذا حصل له ظفر بحقائق الإيمان , وصار على نصيب من عرضات الملك الرحمن , فقد حصل له الحظ الأوفى والسعادة , وإن قيل ما قيل , شعرًا:
إذا رضي الحبيب فلا أبالي أقام الحي أم جد الرحيل
وينبغي لك يا عثمان: أن تقرأ هذه النصيحة على جماعتك , وتبين لهم معانيها , وما في الفرق والاختلاف من فتح أبواب الشر والفساد , فأحرص على ذلك واعتمد به من صالح أعمالك , وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لعلي رضي الله عنه: (( فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم ) )والشيطان قاعد على الصراط المستقيم , فإن عارض أحد بشبهة , فليزمكم تبليغها وطلب كشفها , ولا يحل السكوت على الشبه التي توقع في الريب والشك , وتقضي إلى ما تقدم من المفاسد , وإن رأيتم في كلامي مجازفة أو مخالفة لما قاله أهل العلم , فاذكروه لي , وإن جاءنا منكم نصيحة أو تنبيه على شيء من الغلط , فنشهد الله على قبوله ممن كان , والسلام.