وإبطال الشرع بالكلية , بمسألة خلافية , في جواز الاستعانة بمشرك , ليس له دولة ولا صولة , ولا دخل في رأي , مع أنها من المسائل المردودة على قائلها , كما بسط في غير موضع.
وبالجملة: فإظهار مثل هذه الفتوى في هذه الأعصار , من الوسائل المفضية إلى أكبر محذور , وأعظم المفاسد والشرور , مع أن عبارة الشيخ إذا تأملها المنصف , وجد فيها ما يرى على هؤلاء المبطلة.
وقول الشيخ: قد عمت به البلوى؛ يبين: أن الجواب في الجاري في وقته , مع ظهور وعزته , وإظهار دين من سافر إلى جهاتهم , وليس في ذلك ما في السفر إليهم , في هذه الأوقات , إذ هجم العدو , صار الجهاد فرض عين , يحرم تركه ولو للسفر المباح , فكيف بهذا السفر؟
وأيضًا: فكلام الشيخ , يحمل على ما ذكره الفقهاء , في أن عامة الناس: ليس لهم أن يفتاتوا على ولي الأمر , في الحدود والتعزيرات , إلا بإذنه؛ وقد عرفتم حال أكثر الولاة , في عدم الاهتمام بهذا الأصل , فالافتيات عليهم بالحبس والضرب , ونحو ذلك , مستفيدة , تمنعها الشريعة ولا تقرها , ودرأ المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ فهذا يوجب للشيخ وأمثاله: مراعاة المصلحة الشرعية في الفتوى الجزئية , ولا شيما في مخاطبة العامة.
وقول الشيخ: لكونه عرض نفسه للفتنة , بمخالطة المشركين , صريخ في أن الكلام فيمن لم يفتن , ولم يستخف في دينه؛ وقد عرفتم حال أكثر الناس في هذا الوقت أقل الفتنة أن يستخفي بدينه وجمهورهم يظهر لموافقة بلسان الحال , أو لسان المقال، فهذا الضرب ليس داخلًا في كلام الشيخ رحمه الله.
وقوله: ينبغي هجره وكراهته: بيان ما يستطيعه كل أحد , وأما ولاة الأمور، ومن له سلطان أو قدرة , فعليها تغيير المنكر باليد , ومن لم يستطع فباللسان، ومن لم يستطع فبالقلب، وهذا نص الحديث النبوي , فلا يجوز العدول عنه , وإساءة الظن بأهل العلم؛ بل يحمل كلامهم على ما وافقه، والمصر المكابر لا ينتهي، إلا إذا غير فعله بالأدب، أو الحبس، وهو داخل في عموم الحديث، وقد شاهدنا من الوالد رحمه الله: تعنيف هذا الجنس , وذمهم، وذكر حكم الله ورسوله، في تحريم مخالطة المشركين , مع عدم التمكن من إظهار الدين.
وقد ذكر شيخ الإسلام , ابن تيمية رحمه الله , أن التعزيرات تفعل بحسب المصلحة , وليس لها حد محدود , بل بحسب ما يزيل المفسدة , ويوجب المصلحة , وذكر قتل شارب الخمر في الرابعة , وأنه من هذا الباب , وأشار إلى ذلك في اختباراته , وكذلك غيره من المحققين , ذكروا أن التعزيز على الكبائر والمحرمات , غير مقدر , بل بحسب المصلحة , وهذه قواعد كلية , تدخل فيها تلك القضية الجزئية.
وقول الشيخ: والمعصية إذا وجدت , أنكرت على من فعلها , أو رضيها , ليس فيه أن الإنكار بمجرد القول , بل هو بحسب المراتب الثلاث , المذكورة في الحديث , و إلا لخالف نص الحديث , بل يتعين حمل كلام الشيخ عليه , لموافقة الحديث النبوي , لا على ما خالفه , واسقط من الإنكار ركنه الأعظم؛