جهل منه بمعنى الآية و صريحها , ومخالفة لإجماع المسلمين وما يحتجون به , على تحريم الإقامة بين أظهر المشركين , مع العجز عن القدرة على الإنكار والتغيير.
قال ابن كثير: هذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين , وهو قادر على الهجرة , وليس متمكنًا من إقامة الدين , فهو ظالم لنفسه , مرتكب حرامًا بالإجماع , وبنص هذه الآية , حيث يقول تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} أي بترك الهجرة {قالوا فيما كنتم} أي: لم كنتم ههنا , وتركتم الهجرة؟ {قالوا كنا مستضعفين في الأرض} أي: لا نقدر على الخروج , ولا الذهاب في الأرض , قالوا: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأوهم جهنم وساءت مصيرًا} [النساء: 97] وساق رحمه الله: ما رواه أبو داود , عن سمرة بن جندوب , أما بعد: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( من جامع مشرك وسكن معه فإنه مثله ) ).
فانظر حكاية الإجماع على تحريم ذلك , وانظر تقريره معنى الآية , وتعليقه ما فيها من الأحكام , والوعيد , على مجرد الإقامة بين أظهر المشركين , وأن هذه الآية نص في ذلك , وانظر خطاب الملائكة لهذا الصنف , وأنه على المكث والإقامة بدار الكفر، وانظر ما أجابتهم الملائكة , عن قولهم: لا نقدر على الخروج؛ كل ذلك ليس فيه ذكر للقتال , قتأمل هذا , يطلعك على بطلان هذه الشبهة , وجهل مبديها.
وتأمل حديث سمرة , وما فيه من تعليق هذا الحكم , بنفس المجامعة والسكنى , واعرف معنى كونه مثله؛ وكذلك: لما روى بن جرير عن عكرمة , قال كان أناس من أهل مكة أسلموا , فمن مات منهم بها هلك , قال تعالى: {فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا* إلا المستضعفين} [النساء: 97 - 98] وروى ابن جرير: من تفسير ابن أبي حاتم , فزاد فيه: فكتب المسلمون إليهم بذلك , وخرجوا ويئسوا من كل خير , ثم نزلت فيهم {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن} [النحل: 110] فكتبوا إليهم ذلك: أن جعل الله لكم مخرجًا , فخرجوا , فآذاهم المشركون فقتلوهم، حتى نجا من نجا وقتل من قتل.
وروى عن ابن عباس , في الآية: هم تخلفوا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضربت الملائكة وجهه ودبره , وأظن هذا الجاهل: رأى ما روى عن عكرمة , عن ابن عباس: أن قومًا من أهل مكة أسلموا , فاستخفوا بالإسلام , وأخرجهم المشركون يوم بدر معهم , وأصيب بعضهم , وقتل بعض , فقال المسلمون: كان