الصفحة 182 من 461

أصحابنا هؤلاء مسلمين , وأكرهوا فاستغفروا لهم , فنزلت {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية , فهذا القول ونحوه , مما فيه ذكر من أخرج مع المشركين يوم بدر.

ولا يدل: على أن الآية خاصة بهم , بل يدل على أنهم متناولة , للعموم اللفظي , والعبرة بعموم اللفظ , لا بخصوص السبب , وكذلك من قال من السفهاء: إن هذه الآية نزلت في أناس من المنافقين، وتخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وخرجوا مع المشركين , فمرادهم: أن هذه الآية تناولهم بعمومها , ولم يريدوا: أن هذا النفاق , والقتال مع المشركين , هو الذي أنبط به هذا الحكم , وترتب عليه الوعيد , فإنهم أجل وأعلم من أن يفهموا ذلك , والسلف يعبرون بالنوع , ويريدون الجنس العام.

ومن لم يمارس العلوم , ولم يتخرج على حملة العالم , وأهل الفقه عن الله , وتخبط في العلوم برأيه , فلا عجب من خفاء هذه المباحث عليه , وعدم الاهتداء لتلك المسالك , التي لا يعرفها إلا من مارس الصناعة , وعرف ما في تلك البضاعة؛ وهذا الرجل من أجهل الناس بالضرورة , فكيف بغيره من حقائق العلم , ودقايقه , وليتهم - أعني هذا وأمثاله - اقتصروا على مجرد الإقامة , ولم يصدر منهم ما اشتهر وذاع , من الموالاة الصريحة , وإيثار الحياة الدنيا , على محبة الله ورسوله , وما أمر به وأوجبه , من توحيده , والبراءة ممن أعرض عنه , وعدل به غيره , وسوى به سواه.

وتأمل: كلام شيخ الإسلام , محمد بن عبد الوهاب رحمه الله , على هذه الآية , فإنه أفاد وأجاج؛ وتأمل ما ذكره الفقهاء , في حكم الهجرة , واستدلالهم بهذه الآية , على تحريم الإقامة بين ظهراني المشركين , لمن عجز عن إظهار دينه , فكيف بمن أظهر لهم الموافقة , على بعض أمرهم , وعلى أنهم مسلمون من أهل القبلة المحمدية؟!

وصاحب هذا القول الذي شبه لهم عليكم , ينزل درجة درجة , أول ذلك شراؤه المراتب الشرعية , والأوقاف التي على أهل العلم , حتى صرفت له من غير استحقاق ولا أهلية , ثم لما جاءت هذه الفتنة , صار يتزين عند المسلمين بحمد الله , على عدم حضوره بتلك البلد , ثم جمز ولحق بأهلها , ونقض غزله وكذب نفسه , ثم ظهر لهم في مظهر الصديق الودود , وبالغ في الكرامة والوليمة , والتحف والهدايا , والمجالسة , والتردد , شغفًا بالجاه والرياسة , ولو في زمرة من حاد الله ورسوله.

وأما ما نقل عنه , من التحريض على أهل الإسلام , فهو إن صح أقبح من هذا كله , وأشنع , وحسابه على الله الذي تنكشف عنده السرائر , وتظهر مخبآت الصدور والضمائر؛ وروى السدي , قال: لما أسر العباس و عقيل ونوفل , قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للعباس: (( افد نفسك , وابني أخيك , قال يا رسول الله: ألم نصل قبلتك , ونشهد شهادتك , قال يا عباس: إنكم خاصمتم فخصمتم ) )ثم تلا عليه هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت