الشيطان في إدخال هذه المكيدة , ونصب لها حججًا ومقدسات , وأوهمهم طاعة بعض المتغلبين , فيما أمر الله ورسوله , من واجبات والحالة هذه , ولا تشرع.
ولم يدر هؤلاء المفتونون , أن أكثر أهل الإسلام , من عهد يزيد بن معاوية - حاشا عمر بن عبد العزيز , ومن شاء الله من بني أمية - قد وقع منهم ما وقع من الجراءة , والحوادث العظام , والخروج والفساد في ولاية أهل الإسلام , ومع ذلك فسيرة الأئمة الأعلام , والسادة العظام معهم , معروفة مشهورة , من شرائع الإسلام , وواجبات الدين.
وأضرب لك مثلًا , بالحجاج بن يوسف الثقفي , وقد اشتهر أمره في الأمة بالظلم والغشم , والإسراف في سفك الدماء , وانتهاك حرمات الله , وقتل من قتل من قادة الأمة , كسعيد بن جبير , وحاصرَ ابنَ الزبير وقد عاذ بالحرم الشريف , واستباح الحرمة , وقتل ابن الزبير , مع أن ابن الزبير قد أعطاه الطاعة , وبايعه عامة أهل مكة , والمدينة , واليمن , وأكثر سواد العراق.
والحجاج نائب عن مروان , ثم عن ولده عبد الملك , ولم يعهد أحد من الخلفاء إلى مروان , ولم يبايعه أهل الحل والعقد , ومع ذلك لم يتوقف أحد من أهل العلم في طاعته , والانقياد له فيما تسوغ طاعته فيه , من أركان الإسلام وواجباته , وكان ابن عمر ومن أدرك الحجاج , من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينازعونه , ولا يمتنعون عن طاعته , فيما يقوم به الإسلام , ويكمل به الإيمان.
وكذلك من في زمنه من التابعين , كابن المسيب , والحسن البصري , وابن سيرين , وإبراهيم التيمي , وأشباههم ونظرائهم , من سادات الأمة , وأئمتها , يأمرون بطاعة الله ورسوله , والجهاد في سبيله مع كل إمام بر , أو فاجر , كما هو معروف في كتب أصول الدين , والعقائد.
وكذلك بنو العباس , استولوا على بلاد المسلمين قهرًا بالسيف , لم يساعدهم احد من أهل العلم والدين , وقتلوا خلقًا كثيرًا , وجمًاُ غفيرًا من بني أمية وأمرائهم , ونوابهم , وقتلوا ابن هبيرة أمير العراق , وقتلوا الخليفة مروان , حتى نقل أن السفاح , قتل في يوم واحد نحو الثمانين من بنو أمية , ووضع الفرش على جثثهم , وجلس عليهم , ودعا بالمطاعم والمشارب , ومع ذلك فسيرة الأئمة , كالأوزاعي , ومالك , والزهري , والليث بن سعد , وعطاء بن أبي رباح , مع هؤلاء الملوك , لا تخفى على من له مشاركة في العلم وإطلاع.
والطبقة الثانية من أهل العلم كأحمد بن حنبل , ومحمد بن إسماعيل , ومحمد بن إدريس , وأحمد بن نصر , وإسحاق بن راهويه , وإخوانهم , وقع في عصرهم من الملوك ما وقع , من البدع العظام , وإنكار الصفات , ودعوا إلى ذلك , وامتحنوا فيه , وقتل من قتل , كأحمد بن نصر , ومع ذلك فلا يعلم أن أحدًا منهم نزع يدًا من طاعة , ولا رأى الخروج عليهم , وإلى الآن يبلغني عنك أنك تميل إلى ذلك