فأجابوا بما حاصله: أنه يحرم السفر على بلاد المشركين , إلا إذا كان المسلم قويًا له منعة , يقدر على إظهار دينه , وإظهار الدين تكفيرهم وعيب دينهم , والطعن عليهم , والبراءة منهم , والتحفظ من موادتهم , والركون إليهم , واعترافهم , وليس فعل الصلوات فقط إظهارًا للدين.
وقول القائل: إنا نعتزلهم في الصلاة , ولا نأكل ذبيحتهم حسن , لكن لا يكفي في إظهار الدين وحده , بل لا بد مما ذكر.
وقول القائل: إنهم لا ينكرون علينا , قول فاسد , وإنكارنا على من يظن به الخير , ومن يخالطهم يخاف عليه , إن سلم من الردة لا يسلم من الكبيرة الموبقة , وأما من يظن به موادة الكفار وموالاتهم , ويظن به أنه يرى أنهم أهدى سبيلًا من المؤمنين , فليس للكلام معه كبير نفع , والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وقد ألزم المؤمنين: أن يأخذوا ما آتاهم الرسول , وينتهوا عما نهاهم عنه , وكان الصحابة رضي الله عنهم , شديدًا حذرهم عما حذرهم نبيهم - صلى الله عليه وسلم - , فمن ذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه , أنه أقسم أن لا يظلّه سقف هو وقاطع رحم , حذرًا من قوله - صلى الله عليه وسلم: (( ولا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم ) )فكيف بمن جالس كافرًا , أو واكله , وألان له الكلام؟! ويذكر عن عيس عليه السلام , أنه قال: تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي , وتقربوا إلى الله بالبعد عنهم , واطلبوا رضي الله بسخطهم.
فإذا كان هذا مع أهل المعاصي , فكيف بالمشركين والكافرين والمنافقين , قال الله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} [هود: 113] قالوا أبو العالية: لا تميلوا إليهم كل الميل , في المحبة ولين الكلام , فتوعد سبحانه بمسيس النار , من ركن إلى أعدائه ولو بلين الكلام.
وأن الله تعالى فرض على عباده جهادهم , والغلظة عليهم , كما قال تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين و اغلظ عليهم} الآية [التوبة: 73] وقال تعالى لما ذكر حال المنافقين {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولًا بليغًا} [النساء: 63] قال بعض المفسرين: أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالإعراض عن المنافقين , وإغلاظ القول عليهم , وأن لا يلقاهم بوجه طلق , بل يكون وجهه مكفهرًا عابسًا , متغيرًا من الغيظ.
فإذا كان هذا مع المنافقين , الذين بين أظهر المسلمين , يصلون معهم ويجاهدون معهم , ويحجون , فكيف بمن يسافر إلى المشركين , وأقام بين أظهرهم أيامًا وليالي , واستأذن عليهم في بيوتهم , وبدأهم