بالسلام , وأكثر لهم التحية , وألان الكلام , وليس له عذر إلا طلب العاجلة , ولم يجعل الله الدنيا عذرًا لمن اعتذر بها.
قال الله تعالى: {قل إن كان آبائكم} إلى قوله {أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} [التوبة: 24] وقال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا* والآخرة خير وأبقى} [الأعلى: 16 - 17] وقال تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منه وماله في الآخرة من نصيب} [الشورى: 20] وقال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورا} [الإسراء: 18] وقال تعالى: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم} الآية [المجادلة: 22] .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - , فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى , في الحديث الطويل الذي قال فيه (( ولا يحملكم الشيطان باستبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله , فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته ) )ولما نهى الله سبحانه عن حمل المشركين إلى بيته , وعلم من خلقه الاعتذار بالحاجة , قال: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} الآية [التوبة: 28] فلم يعذر الله بالفقر والحاجة إلى ما في أيديهم , وأخبر الرزاق ذو القوة المتين.
والموجب لهذه النصيحة: الشفقة عليكم , مخافة أن توادوهم فتكونوا مثلهم , والكلام في هذا مع مؤمن عاقل , يخاف مقام ربه وينهى نفسه عن هواها , وأما المنافق والمرتاب , ومن يرد الله فتنته , فالله له بالمرصاد {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم} الآية [الشعراء: 88 - 89] .
فالواجب على العاقل الناصح لنفسه , النظر في أمره , والفكرة في ذنوبه , ومجاهدة نفسه على التوبة النصوح , والندم على ما فات , والعزيمة على أن لا يعود , والتبديل بالعمل الصالح , وتقديم محبة الله على جميع المحاب , وإيثار مرضاته على حظوظ النفس , فإن كل شيء ضيعته ابن آدم , ربما يكون له منه عوض , فإن ضيع حظه من الله , لم يكن له عوض , وقد خاب من كان حظه من الله دنيا يحتلب درها , والخاسر من خسر دينه , وإن أفاد في دنياه.