إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومه إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبد بيننا وبينكم العداوة و البغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده الآية [الممتحنة: 4] ومعنى قوله (أبدا) أي ظهر وبان , فمن حقق ذلك علمًا وعملًا , وصرح به حتى يعلمه منه أهل بلده , لم تجب عليه الهجرة من أي بلد كان.
وأما من لم يكن كذلك , بل ظن أنه إذا ترك يصلي ويصوم ويحج , سقطت عنه الهجرة , فهذا جهل بالدين , وغفول عن زبدة رسالة المرسلين , فإن البلاد إذا كان الحكم فيها الباطل عباد القبور , وشربة الخمور , وأهل القمار , فهم لا يرضونه إلا بشعائر الشرك , وأحكام الطواغيت , وكل موطن يكون كذلك , لا يشك من له أدنى ممارسة للكتابة والسنة , أن أهله على غير ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فليتأمل العاقل , وليبحث الناصح لنفسه عن السبب , الحامل لقريش على إخراج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من مكة , وهي أشرف البقاع , فإن من المعلوم: أنهم ما أخرجوهم إلا بعد ما صرحوا لهم بعيب دينهم , وضلال آبائهم , فأرادوا منه - صلى الله عليه وسلم - الكف عن ذلك , وتوعدوه وأصحابه بالإخراج , وشكا إليه أصحابه شدة أذى المشركين لهم , فأمرهم بالصبر والتأسي بمن كان قبلهم ممن أوذي ,
ولم يقل لهم اتركوا عيب دين المشركين , وتسفيه أحلامهم؛ فاختار الخروج بأصحابه , ومفارقة الأوطان , مع أنها أشرف بقعة على وجه الأرض {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} [الأحزاب: 21] .
{ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعة} الآية [النساء: 100] نعم إن كانت ولاية أهل الإسلام عليكم ضيافة , وأوامرهم فيكم نافذة , وأيدي أهل الشرك والضلال عنكم قاصرة , ولم يبق إلا جفاء في الفروع , وتقصير في بعض الواجبات , ونحو ذلك , ففي مثل هذه الحال , قد تكون الهجرة مستحبة في حق بعض الناس؛ فإن كان في إقامة الإنسان تخفيف للشر , وتكثير للخير , فربما يترجح في حقه الإقامة , إذا لم يخف على دينه من الفتن , وبما ذكرناه يظهر للمتأمل ما يصلح دينه , والسلام.
وسئل رحمه الله: إذا كان الرجل يتهم بالركون إلى الكفار , هل تجوز مجالسته , محادثته أو لا؟.
فأجاب: قد حرم الله تعالى في كتابه الركون إلى الذين ظلموا , فإذا كان الركون ظاهرًا معلومًا , فلا يجوز للمؤمن أن يتخذ الراكن جليسًا؛ وأما محادثته , فإن كانت لنصيحته ودعوته إلى الله , ونهيه عن هذا المنكر , فهذا لا بأس بها , بل هي طاعة لله تعالى , وجهاد في سبيله.