الصفحة 232 من 461

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى , في الهدي النبوي , وفي نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن السلام على هؤلاء الثلاثة , يعني كعبًا وصاحبيه، من بين من تخلف عنه , دليل على صدقهم , وكذب المنافقين , فأراد هجر الصادقين , وتأديبهم , على هذا الذنب - إلى أن قال - وفيه دليل أيضًا: على هجران الإمام , والعالم , والمطاع، لمن فعل ما يستوجب العتب؛ ويكون هجرانه دواء له - إلى أن قال - وفي إشارة الناس للنبطي، الذي يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ دون نطقهم له , تحقيق لمقصود الهجر , وإلا لو قالوا له صريحًا: كعب بن مالك , لم يكن ذلك سلامًا , ولا يكونون به مخالفين للنهي، لكن لفرط تحرِّيْهم , وتمسكهم بالأمر، إذ لم يذكروه بصريح اسمه.

وقد يقال: إن في الحديث عنه بحضرته وهو يسمع، نوع مكالمة، لاسيما إذا جعل ذلك ذريعة إلى المقصود بالسلام , وهي ذريعة قريبة , فالمنع من ذلك , من باب منع الحيل وسد الذرائع , وهذا أحسن وأفقه , انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

فانظر إلى قوله: وقد يقال إن في الحديث عنه بحضرته , وهو يسمع , نوع مكالمة .... الخ , فإذا كان في ذكره باسمه نوع مكالمة , فكيف بمن ابتدأ المشرك , والعاصي , والمبتدع , بالسلام , وأظهر له الإكرام , وأكثر عنه الجدال , والخصام؟!

وقال شيخ الإسلام: ابن تيمية رحمه الله , وقد سئل عن الهجر المشروع , ومن يجب هجره أو يجوز هجره , قال في أثناء كلامه: ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتألف أقوامًا , ويهجر آخرين، وقد يكون المؤلفة قلوبهم أشر حالًا من المهجورين , كما أن الثلاثة الذين خلفوا , كانوا خيرًا من المؤلفة قلوبهم، ولكن أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم، وكانت المصلحة الدينية في تأليفهم , وهؤلاء كانوا مؤمنين , وفي هجرهم عز للدين , وتطهير لهم من ذنوبهم , انتهى كلامه رحمه الله.

فانظر: أيها المنصف بعين الإنصاف , واحذر التعصب والاعتساف إلى ما قاله شيخ الإسلام: من أن في هجرهم عزًا للدين ,

هذا إذا كانوا مسلمين، لكنهم أصحاب معاص واقتراف لبعض الأوزار , فيجب هجرهم واعتزالهم حتى يقلعوا؛ وأما المشرك والمبتدع: فلا نزاع في هجرهما ولا خلاف فيه , إلا عند من قل حظه ونصيبه , من العلم الموروث عن صفوة الرسل، صلوات الله وسلامه عليه.

وقال أيضًا رحمه الله: ومن كان مبتدعًا ظاهرًا البدعة , وجب الإنكار عليه , ومن الإنكار المشروع: أن يهجر حتى يتوب؛ ومن الهجر: امتناع أهل الدين من الصلاة عليه , لينزجر من يتشبه بطريقته ويدعو إليها , وقد أمر بمثل هذا مالك بن انس , وأحمد بن حنبل , وغيرهما من الأئمة ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت