أما بعد: فإني قد أحببت أن أبين لكم , ما رأيت من أمور الإمام أيده الله , مع هذه الطائفة الباغية , نصيحة الله ولرسوله , ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ فإنه ليس الخبر كالعيان , وكنت قبل أظن فيهم بعض المقاصد الحسنة , لما يدّعونه من دعوى الجهاد أمورًا ردية , ومقاصد غير مرضية.
ولم أزل أبذل لهم النصيحة , وأحذرهم من أسباب الخزي والفضيحة , وأشير عليهم بالحضور عند الإمام , لأنه نزل معهم إلى غاية , لا تليق بماله من المقام والاحترام؛ فأبوا الحضور , وتمادوا في العتو والنفور؛ فلما أعياه دواهم , وأصروا على متابعة هواهم , أرخى العنان , وأمضى السنان , فعجل حينهم , وفرق ذات بينهم , فعنوذ بالله من الخذلان , ومتابعة الشيطان , فإنه يضل من اتبعه ويغويه , وفي مزلة الهلاك يرميه ويرديه.
هذا: وإني أنصح من كان متابعًا لهم اغترارًا بدعواهم , أن يراجع الحق , وينظر بعين الإنصاف , ويتوب إلى الله مما جناه من الافتراق؛ ويجب على جميع المسلمين نصحهم , والقيام عليهم , حتى يرجعوا إلى الهدى , ويجانبوا طريق الغي والردى , ومن أصر منهم وأبى , فإن على المسلمين زجره وتأديبه , وقمعه وتأنيبه , فإن مرامهم الذي راموا , شق عصا المسلمين , وتفريق جماعتهم , وهذا غاية الخراب لدين المسلمين , ودنياهم.
وأنا أذكر ما يجب اعتقاده على كل مسلم , من حقوق الإمامة على المسلمين , حتى يعلم المنصف ما يجب عليه شرعًا , فيمتثل المأمور , وتقوم الحجة على كل معاند , وصاحب فجور.
فأقول: اعلم وفقك الله , أنه قد علم بالضرورة من دين الإسلام: أنه دين إلا بجماعة , ولا جماعة إلا بإمامة , ولا إمامة إلا بسمع وطاعة , وأن الخروج عن طاعة ولي الأمر , والافتيات عليه , من أعظم أسباب الفساد في البلاد والعباد , والعدول عن سبيل الهدى والرشاد.
قال الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانت إلى أهلها وذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله سميعًا بصيرًا * يا أيها آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ذلك خير وأحسن تأويلًا} [النساء: 58 - 59] .
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى - في السياسة الشرعية - قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور , عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها , وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل؛ ونزلت الآية الثانية في الرعية , من الجيوش وغيرهم , عليهم أن يطيعوا ولاة الأمر الفاعلين لذلك , في قسمهم , وحكمهم , ومغازيهم , وغير ذلك , إلا أن يأمروا بمعصية الله , فإذا أمروا بمعصية الله , فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وإن تنازعوا في شيء , ردوه إلى كتاب الله، وسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - , وإن لم يفعل ولاة الأمور ذلك , أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله , لأن ذلك من طاعة الله , وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأديت حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله , قال