الصفحة 364 من 461

فيه إلا ببينه؛ وأما إذا كان الشهود لا يعرفون بالعدالة , أو كانت القرائن تدل على أنهم حاضرون معهم , وأنهم من جملتهم , لم يقبلوا , ولم تسمع شهادتهم.

ومن صور المسألة: ما جرى بين الوادعين , وأهل مرات , فإن الوادعين زعموا: أن معهم البينة , على أنهم لم يبيدؤوا بقتال , وإنما قتلوا دفعًا عن أنفسهم , فلما سألنا عن شهودهم , إذا هم من جملتهم الذين غزوا , فقلنا لهم: هؤلاء من جملتكم , وعليهم من الدية بقدر نصيبهم منها , ولا تقبل شهادتهم , لأنهم يدفعون بها عن أنفسهم , والمسألة واضحة في كلام العلماء , لا تحتاج إلى نقل عبارات الفقهاء , والله أعلم.

سئل بعضهم: ما معنى قوله تعالى: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين} [التوبة: 7] ؟.

فأجاب: إن هذه الآية نزلت في عهد المشركين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وغدرهم , ونقضهم لما عاهدوا عليه , وأعانوا عدوه , قال تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} الآية.

قال البغوي رحمه الله في تفسيره: هذا على وجه التعجب , ومعناه جحد , أي: لا يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله , وهم يغدرون وينقضون العهد , ثم استثنى فقال جل وعلا: {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} .

قال ابن عباس: هم قريش؛ وقال قتادة: هم أهل مكة الذين عاهدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية , قال الله تعالى: {فما استقاموا لكم} أي على العهد {فاستقيموا لهم} انتهى.

ولا يجوز لأحد يقول: هذه الآية نزلت في حق الراعي والرعية، فإنه لم يقل بهذا أحد من أهل العلم وأئمة التفسير , بل هذا تفسير عبد برأيه وهواه , ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار؛ فإن المسلم: مأمور بالسمع والطاعة لولاة الأمور , ل كانوا غير مستقيمين , إلا في معصية الله تعالى فلا سمع ولا طاعة لأحد.

والأحاديث والآثار الدالة على ذلك أكثر من أن تحصر , وأشهر من أن تذكر , لكن تركنا ذكرها خشية الإطالة , ونحن في غاية الاستعجال مع تغير الحال وتشوش البال.

والحاصل: فإن الأمراء إن اسنقاموا على الحق والعدل , فهو: الواجب عليهم , وإن تركوا الاستقامة , فأدوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم , وفي الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا , والكلام على هذا الباب يستدعي طولًا وأبوابًا وفصولًا , وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

فصل

قال الشيخ: محمد بن عبد الوهاب , قدس الله روحه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت