الصفحة 366 من 461

كحديث أبي هريرة المتفق عليه (( مرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله , فإذا قالوهم عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها , وحسابهم على الله عزّ وجلّ ) )وكذلك حديث أسامة , لما قتل الرجل في الحرب بعدما قال لا إله إلا الله , فلما ذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنكر ذلك عليه , وقال: (( أقتله بعدما قال لا إله إلا الله؟ ) )فقال يا رسول الله: إنما قالها تعوذًا , وفي رواية إنما قالها خوفًا من السلاح , فقال: (( أفلا شققت عن قلبه ) ).

قال العلماء: وفي ذلك أنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في الأرض فتبينوا ولا تقول لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنًا} [النساء:64] فدلت الآية على أنه يجب الكف عن المشرك إذا أظهر الإسلام , ولو ظن أنه إنما قال ذلك خوفًا من السيف , فإن تبين بعد ذلك أنه إنما أظهر الإسلام تعوذًا , قتل , ولهذا قال تعالى: {فتبينوا} والتبين هو: التثبت , والتأني , حتى يتبين حقيقية الأمر.

وأما إذا كان المشرك يتلفظ بلا إله إلا الله , في حال كفره وردته , ويفعل من الأفعال ما يوجب كفره وأخذ ماله , فهذا يقتل ويباح دمه وماله , كما قال الصديق رضي الله عنه , لعمر رضي الله عنه , لما ارتدت العرب بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان فيهم طائفة يشهدون أن لا إله إلا الله , وأن محمدًا رسول الله , ويصلون ولكنهم منعوا الزكاة.

فقال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله , فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها , وحسابهم على الله ) ).

فقال أبو رضي الله عنه: فإن الزكاة حق المال , والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها , قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال , فعرفت أنه الحق , فقاتلهم أبو بكر وسائر الصحابة , مع كونهم يشهدون أن لا إله إلا الله , وأن محمدًا رسول الله , ويصلون.

وأجمع العلماء من أهل المذاهب: على كفر من جحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة , كصلاة والصيام والحج وغير ذلك , وإن كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله , وذلك لأن الدين لا يجوز التفريق فيه , بأن يؤمن الإنسان ببعض ويكفر ببعض , كما قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسوله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقًا} [النساء:150 - 151] .

وقال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال:39] قال العلماء: كل طائفة امتنعت عن شريعة من شرائع الإسلام , تقاتل حتى يكون الدين كله لله , وهذا مجمع عليه بين العلماء من أهل المذاهب , والله أعلم.

ولهم أيضًا , رحمهم الله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت