ونحن ننتظركم في تلك المدة أنكم تظهرون علينا , ونكر عليكم , ونستأصل عساكركم , ونتغلب على بلدانكم , فلما أيسنا منكم , وفرغ المسلمون من بيع ما أفاء الله عليهم , رحلنا بالعز والسلامة , والمغنم والأجر إن شاء الله تعالى , ثم بعد ذلك مشينا ونزلنا على بلدك البصرة , وأقمنا بها عشرة أيام , وذبحنا ودمرنا ما بلغك علمه.
والممشى الثالث: نحرناك في رأس الهندية , فلم نجدك , وقدمنا إلى المشهد , قواسة يقوسون حفره , فلما قصر الخشب , رجعنا ونزلنا الهندية , وقعدت جموع المسلمين حتى وصلت قريبًا من خان ذبلة , وكل من لقوه وضعوا عليه السيف , ومن خان ذبلة إلى البصرة , أقمنا بها قريبًا من عشرين ليلة , نأخذ ونقتل من رعاياك الفلاحين والبوادي , من بغداد إلى البصرة , كم دمرت من الديار , ولم يبق فيها أثر - ولله الحمد والمنة - كل جميع هذه الجهة.
وما ذكرت: من جهة الحرمين الشريفين , الحمد لله على فضلة وكرمه , حمدًا كثيرًا كما ينبغي أن يحمد , وعز جلاله , لما كان أهل الحرمين آبين عن الإسلام , وممتنعين عن الانقياد لأمر الله ورسوله , ومقيمين على مثل ما أنت عليه اليوم , من الشرك والضلال والفساد , وجب علينا الجهاد بحمد الله فيما يزيل ذلك عن حرم الله وحرم رسوله - صلى الله عليه وسلم - , من غير استحلال لحرمتهما.
ونحن - ولله الحمد - أهل احترام لحرمه وتعظيمه , لا أنتم , كم قال تعالى {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 34] فلما ضاق بهم الحال , وقطعنا عليهم السبل , ثم بعد ذلك فاؤوا ورجعوا , وانقادوا إلى أمر الله ورسوله , وأذعنوا للإسلام وأقروا به , وهدمنا الأوثان , وأثبتنا فيها عبادة الرحمن , وأقمنا فيها الفرائض , ونفينا عنها مل قبيح مما حرم الله ورسوله , ولم نكن - ولله الحمد - نفسك فيها دمًا , ولا نأخذ مالًا , ولا ننفر منها صيدًا , ولا نعضد شجرًا.
فإذا كنت تزعم أنها من ولايتك , فما منعك أن تفك ولايتك , أو تنفع أهلها بميرة حين ضاق بهم الحال , بل كنت إلى الآن لم تؤد فريضة حجك , وأرجو أن تموت على ملتك النصرانية , وتكون من خنازير النار , إن شاء الله.
وما ذكرت: من افتخارك: أنك وزير بغداد , فنعود بالله من هذه الوزارة , بل تحملت وزرك , وأوزار من اتبعك , كما قال تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ} [النحل: 25] وإنما افتخر بمثل ذلك أخوك فرعون , بقوله: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} إلى قوله: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ} [الزخرف: 51 - 56] وقال تعالى: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} [هود: 98 - 99]