فلما ولاك الله رعيتك , فما بالك لم تتولها بخير؟ بل توليتها بشر؛ فعلت بهم من الظلم , وسفك الدماء والعدوان , ما لا يوصف , ولا يفعله من يؤمن بالله واليوم الآخر , وخنت في أمانتك التي استأمنك عليها سيدك سليمان باشا , الذي اشتراك من حر ماله , وجمعك أنت رابع أربعة , حين حضرته الوفاة , يوصيكم على عياله , وأخذ عليكم العهد والميثاق , وخنت بالعهد , وذبحت الثلاثة , ونفيت عيال سيدك من مملكتهم , وتوليت أموالهم.
والعجب كل العجب من رعيتك , الذين يزعمون أنهم أهل ذكاء وفطنة , يرضون أنهم يولون عليهم رجلًا , أصله نصراني على غير ملتهم , وفرعه مملوك , وهذا أعظم ما دلنا على ذهابهم إن شاء الله , وتدمير أمرهم بحول الله وقوته.
فإن أردت النجاة وسلامة الملك , فأنا أدعوك إلى الإسلام , كما قال - صلى الله عليه وسلم - لهرقل ملك الروم (( أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين , فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين , و {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] وقوله: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 14] وقوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَابَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة 31 - 32]
وأما المهادنة: والمسابلة على غير الإسلام , فهذا أمر محال بحول الله وقوته , وأنت تفهم أن هذا أمر طلبتموه منا مرة بعد مرة , وأرسلتم لنا عبد العزيز القديمي , ثم أرسلتم لنا عبد العزيز بيك وطلبتم المهادنة والمسابلة , وبذلتم الجزية , وفرضتم على أنفسكم كل سنة , ثلاثين ألف مثقال ذهبا , فلم نقبل ذلك منكم , ولم نجبكم للمهادنة.
فإن قبلتم الإسلام فخيرتها لكم وهو مطلوبنا , وإن أبيتم فنقول لكم , كم قال تعالى: {وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137] ونقول: {حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] ونقول: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 3 - 4] ونقول: {جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] ونقول: {جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49] ونقول كما قال الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129] .