الصفحة 392 من 461

)) فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن الزكاة من حقها , والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها.

فدل هذا على أن من منع حقًا من حقوق الإسلام , أنه يجب جهاده , وأنه من أفضل الأعمال , وأن الذي يرى ذلك حقًا هو من أبصر الناس , فيحمد الله على ذلك , والدليل على أنه من أبصر الناس , قصة أبي بكر مع عمر رضي الله عنهما , فإنه فهم أن قتالهم حق , وقد أقروا بالشهادتين , وتركوا الشرك؛ وعمر رضي الله عنه لم يفهم ذلك , حتى بين له أبو بكر رضي الله عنه. ط

وكان العلماء رحمهم الله: يعدون فهم أبي بكر لهذا من فضائله , وهذا كافٍ لمن قصده الحق , وأما من أعمى قلبه الهوى عن الهوى , فلا حيلة فيه , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم , وهو حسبنا ونعم الوكيل , والحمد لله رب العالمين , وصلى الله على نبينا محمد , وآله وصحبه وسلم.

وتقدم قول الشيخ: عبد اللطيف رحمه الله في شبهة من قال بالاستعانة بالمشرك عند الضرورة , والتتمة في ذلك.

وقال في موضع آخر: وما ذكرت من استعانته بابن أريقط , فهذا اللفظ ظاهر في مشاقة قوله في حديث عائشة: (( إنا لا نستعين بمشرك ) )وابن أريقط أجير مستخدم , لا معين مكرم , وكذلك قولك: إن شيخ الإسلام استعان بأهل مصر والشام , وهم حينئذ كفار , وهلة عظيمة وزلة ذميمة , كيف والإسلام إذ ذاك يعلو أمره , ويقدم أهله؟ ويهدّ ما حدث من أماكن الضلال , وأوثان الجاهلية , ويظهر التوحيد , ويقرر في المساجد والمدارس.

وشيخ الإسلام نفسه: يسميها بلاد إسلام , وسلاطينهم سلاطين إسلام , ويستنصر بهم على التتر والنصيرية ونحوهم , كل هذا مستيقن في كلامه , وكلام أمثاله؛ وما يحصل من بعض العامة والجهال , إذا صار الغلبة لغيرهم , لا يحكم به على البلاد وأهلها.

وأما مسألة: الاستنصار , فمسألة خلافية , والصحيح الذي عليه المحققون , منع ذلك مطلقًا , وحجتهم حديث عائشة , وهو متفق عليه , وحديث عبد الرحمن بن عوف , وهو حديث صحيح مرفوع , اطلبهما تجدهما فيما عندك من النصوص , والقائل بالجواز احتج بمرسل الزهري , وقد عرفت ما في المراسيل , إذا عارضت كتابتًا أو سنّة.

ثم القائل به: قد شرط أن يكون فيه نصح للمسلمين , ونفع لهم , وأن لا يكون للمشركين صولة ودولة يخشى منها , وأن لا يكون له دخل في رأي ولا مشورة , كل هذا ذكره الفقهاء , وشراح الحديث , ونقله في شرح المنتقى , وضعف مرسل الزهري جدًا , وكل هذا في قتال المشرك للمشرك مع أهل الإسلام.

وأما استنصار المسلم بالمشرك على الباغي , فلم يقل بهذا إلا من شذ , واعتمد القياس , ولم ينظر إلى مناط الحكم , والجامع بين الأصل وفرعه , ومن هجم على مثل هذه الأقوال الشاذة , واعتمدها في نقله وفتواه , فقد تتبع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت