الصفحة 395 من 461

وعن أبي حازم , قال: أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بنطع من الغنيمة , فقيل يا رسول الله , هذا لك تستظل به من الشمس , فقال: (( أتحبون أن يستظل نبيكم بظل من نار ) )وعن عبد الله بن عمرو , قال كان على ثقل النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل يقال له: (( كركرة ) )فمات , فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( هو في النار ) )فذهبوا ينظرون إليه , فوجدوا عباءة قد غلها , فالأحاديث في النهي عن الغلول , والتشديد على من فعله , كثيرة جدًا.

فاتقوا الله عباد الله , وتعاونوا على البر والتقوى , وتناصحوا فيما بينكم , واذكروا زوال الدنيا وسرعة انقضائها؛ وليحذر الناصح لنفسه , أن يلقى الله وقد غذي جسمه بالحرام , ففي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أيما لحم نبت على السحت , كانت النار أولى به ) )والله سبحانه فرض على عباده الأمر بالمعروف , والنهي عن المنكر , وذم من لا يفعل ذلك , فقال تعالى: {كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79] .

فمن علم عند أحد شيئًا من المغنم , فلينصحه وليأمره بأدائه , فإن لم يفعل فليرفع حاله إلى الأمير , فإذا سكت عن الغال , كان شريكًا له في الإثم , ففي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( من كتم غالًا فإنه مثله ) )ولا عذر لأحد - ولله الحمد - في ترك الأمر بالمعروف , والنهي عن المنكر؛ والغلول قد فشا في الناس , واشتهر , والمعصية إذا خفيت صار وبالها على من فعلها , فإذا ظهرت ولم تنكر ضرت العامة , نعوذ بالله وإياكم مكن زوال نعمه , وحلول نقمه.

والله تعالى - وله الحمد - قد أعطاكم ما تحبون , وصرف عنكم ما تكرهون , فكونوا ممن يحدث عند النعم شكرًا , فإن الله وعد الشاكرين المزيد من فضله , فقال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] والمعاصي سبب لتغيير النعم , كما قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] .

وكثير من الناس , يتأول في الغنيمة تأويلات فاسدة , منها استرخاص الإمام , أو طلبه منها , ويظن أن الإمام إذا رخص له , أو طلبه فأعطاه , أن الغنيمة تحل له بذلك؛ والأمير لا يحلل الحرام؛ وربما يجوز للإمام أن يعطي , ولا تحل العطية لمن أخذها , فقد جاء في الحديث الصحيح , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( إني لأعطي الرجل العطية , فيخرج بها يتأبط بها نارًا ) )أو كما قال - صلى الله عليه وسلم -.

والأمر بالمعروف , والنهى عن المنكر , فرض على من قدر عليه من جميع الرعية , وهو في حق الإمام أعظم , فلا يجوز للإمام ترك الإنكار على أحد من المسلمين , بل يجب عليه القيام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , على القريب والبعيد , ويؤدب الغال بما يردعه وأمثاله , عن الغلول من أموال المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت