وأجاب الشيخ: حمد بن ناصر معمر , وأما ما ذكرت من جهة (( الزر ) )الذي يأخذه ابن سعود , على من ظهر من عندكم , فإن ابن سعود لم يأخذ على أهل نجد وبواديهم شيئًا , وأخذه على أهل الأحساء: لأنه لم يثبت عنده إسلامهم على عادته , حال كونهم محاربين , فإذا نفوا الشرك , وهدموا الأوثان , وكفوا عن عداوة الإسلام وأهله , وعملوا بالإسلام لم يأخذ عليهم شيئًا.
وقال الشيخ: محمد بن عبد اللطيف , وفقه الله , وقد ذكرنا لك فيما مضى , من جهة المكوس التي وضعت على الناس , وأنها من أعظم المحرمات , لأن الله حرم الظلم على نفسه , فقال - صلى الله عليه وسلم - فيما يروى عن ربه عزّ وجلّ: (( إني حرمت الظلم على نفسي , وجعلته بينكم محرمًا , فلا تظالموا ) )وقال - صلى الله عليه وسلم - في خطبته يوم الحج الأكبر , وهو واقف بعرفة (( إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام , كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا , ألا ليبلغ الشاهد الغائب ) )واذكر قوله تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ} [الحج: 41] ومن المعروف الذي أوجبه الله على عباده اجتناب أسباب الظلم وتحرى العدل في الأقوال والأعمال.
ومن المنكر الذي حذر الله عنه: تعاطى ما حرمه الله , من الظلم وغيره؛ واذكر قوله: {إِنَّ اللّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} [النحل: 90] قال شيخ الإسلام: هذه الآية جمعت فعل ما أوجبه الله , واجتناب جميع ما حرمه الله , فإنه لا يستقيم للولاة أمر إلا بالعمل بما دلت عليه هذه الآية , ونظيرها قوله {إِنَّ اللّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58] فالعدل مطلوب شرعًا , في الأقوال والأعمال والأخلاق.
والإحسان شامل للإحسان للناس في معاملتهم , وفي الولاية عليهم , وترك الظلم والتعدي عليهم , وقد قال النبي لمعاذ بن جبل , لما أمره بأخذ الصدقة , قال له: (( واتق دعوة المظلوم ) ).
وقال في الاقتضاء: وعامة الأمراء , إنما أحدثوا أنواعًا من السياسات الجائرة , من أخذ أموال لا يجوز أخذها , وعقوبات على الجرائم لا تجوز , لأنهم فرطوا في المشروع , من الأمر بالمعروف , والنهي عن المنكر؛ وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه , ووضعوه حيث يسوغ وضعه , طالبين بذلك إقامة دين الله , لا رياسة لأنفسهم , وأقاموا الحدود المشروعة , على الشريف والوضيع , والقريب والبعيد , متحرين في ترغيبهم وترهيبهم , للعدل الذي شرعه الله , لما احتاجوا إلى المكوس الموضوعة , ولا إلى العقوبات الجائرة , ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين , كما كان الخلفاء الراشدون , وعمر بن عبد العزيز , وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم , انتهى.