واذكر أيضًا: الديوان الثالث , الذي لا يترك الله منه شيئًا , فالحذر الحذر , من أسباب الشر وموجباته؛ ومن أعظم الأسباب الجالبة للنصر , وخذلان العدو قريبًا أو بعيدًا: تقوى الله , ورفض هذه المكوس المحرمة , التي لم تعهد في أسلافكم , لأن المعهود عنهم رحمهم الله , رفع المظالم , والمكوس , في كل بلد يتولون عليها , فشكرهم على ذلك أهل الإسلام , وجعلوا ذلك من مآثرهم الحميدة.
وفي الحديث (( من سن في الإسلام سنّة حسنة , فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة , ومن سن سنّة سيئة , فعليه وزرها ووزر من عملها ) )وهذه المكوس هي والله من السيئات المذمومة , فإن من أعظم ما أساء المسلمين: وضع هذه المحرمات.
وقد رأيت لبعض العلماء (( فائدة ) )يحسن ذكرها , لعظم نفعها , ومطابقتها للواقع.
قال رحمه الله: العدل إذا كان شاملًا , فهو أحد قواعد الدنيا والدين , الذين لا انتظام لهما إلا به , ولا صلاح فيهما إلا معه , وهو الداعي إلى الإلفة , والباعث على الطاعة , وبه تعمر البلاد , وبه تنمو الأموال , ومعه يكثر النسل , وبه يأمن السلطان , وليس شيء أسرع في خراب الأرض , ولا أفسد لضمائر الخلق ,. من الظلم والجور , لأنه ليس يقف على حد , ولا ينتهي إلى غاية , ولكل جزء منه قسط من الفساد , حتى يستكمل.
والعرب لما استناروا بنور الدين المبين , وجمعت متبدد شملهم كلمة الحق , ودان لهم من دان من الأمم , وشملوا الناس بالعدل في أحكامهم , وأعمالهم وأقوالهم , إذ كان من أهم مقاصد الشريعة الغراء , وأعظم مطالبها وأجل قضاياها؛ وبذلك تعلقت آيات التنزيل , فمنها قوله: {إِنَّ اللّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ} [النساء: 58] وفي الحديث (( بئس الزاد إلى المعاد , العدوان على العباد ) )إلى غير ذلك من النصوص , التي يضيق عنها الحصر.
ومن وقف: على سيرة الخلفاء الراشدين وغيرهم , من أمراء العدل من العرب؟ تبين له: أن ما كان من استقامة ملكهم , واتساع مملكتهم , وإنما هو بالعدل التام , ووضع الأمور في مواضعها؛ والعدل باب واسع , يجري في أمور كثيرة , ومرجعه إلى عدل الإنسان في نفسه , ثم عدله في غيره.
فأما عدله في نفسه , فيكون بحملها على المصالح , وكفها عن القبائح , ثم بالوقوف على أحوالها على أعدل الأمرين من تجاوز أو تقصير , فإن التجاوز فيها جور , والتقصير فيها ظلم , ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم , ومن جار عليها , فهو على غيره أجور.
وأما عدله في غيره , فهو على أقسام؛ منها: عدل الإنسان فيمن دونه , كالسلطان في رعيته , والرئيس مع صحابته , ويدخل فيه الرجل مع أهل بيته , والأستاذ مع تلامذته , والسيد مع خدمه وأرقامه , ففي الحديث (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) )والعدل ها هنا يكون باتباع الميسور , وخوف المعسور , وترك التسلط