الصفحة 405 من 461

إذا عرف هذا: فلو سلم تسليمًا صناعيًا , أن قصدكم الأموال المغصوبة , فوجدها في بيت المال ولم يميز لديه , والمسؤول عن من لم يعلم عين ذلك ولم يميز لديه , والمسؤول عن التخليط ولي الأمر , لا من أخذ منه إذا لم يعلم عين المغصوب , وقد ذكر ذلك الشافعية وغيرهم من أهل العلم , بل ذكر ابن عبد البر إمام المالكية في وقته: أنه لا يعرف تحريم أموال السلاطين , عن أحد ممن يقتدى به من أهل العلم.

وقال في رسالته لمن أنكر عليه ذلك: قل لمن ينكر أكلى لطعام الأمراء , أنت من جهلك بمحل السفهاء , فإن الاقتداء بالسلف الماضي هو ملاك الدين؛ ثم قال بعد ذلك: ومن حكى عنه تركها , كأحمد وابن المبارك , وسفيان وأمثالهم , فذاك من باب الزهد في المباحات , وهجر التوسعات , لا لاعتقاد التحريم - إلى أن قال - وقد قال عثمان رضي الله عنه: جوائز السلطان لحم ضبى ذكى.

وقال ابن مسعود - لما سئل عن طعام , من لا يجتنب الربا في مكبسه - لك المهنا وعليه الماثم , ما لم تعلم الشيء بعينه حرامًا؛ وحكى عن أحمد رحمه الله: جوائز السلطان , أحب إلينا من صلة الإخوان , لأن لإخوان يمنون والسلطان لا يمن؛ قال: وكان ابن عمر يقبل جوائز صهره المختار , وكان المختار غير المختار , حكى هذا عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله , وناهيك به حفظًا وأمانة , عند الكلام على حديث (( إذا دخل أحدكم بيت أخيه , فأطعمه من طعامه , وسقاه من شرابه , فليأكل من طعامه , وليشرب من شرابه , ولا يسأل عنه ) )والحديث معروف في السنن.

قال الحافظ الذهبي: قيل لعبد الله بن عثمان بن خُثَيم , ما كان معاش عطاء؟ قال: صلة الإخوان ونيل السلطان , وهذا مشهور بين أهل العلم , وقد قال صالح بن أحمد لأبيه - لما ترك الأكل مما بيد ولده , من أموال الخلفاء - أحرام هي يا أبت؟ قال: متى بلغك أن أباك حرمها؟!.

وأما إذا علم الإنسان عين المال المحرم , لغضب أو غيره , فلا يحل له الأكل بالاتفاق , والمشتبه الذي ندب إلى تركه , هو ما لا يعلم حله ولا تحريمه وأما إذا امتاز الحلال وعرف الحكم , فهو لا حق بالبين لا الاشتباه.

وفي دخول أموال السلاطين في المشتبه , بحث جيد , لا يخاطب به إلا من سلمت في السلف الصالح سريرته , وحسنت في المسلمين عقيدته , والمرتاب يصان عنه العلم , ولا يخاطب إلا بما يزجره ويردعه.

وقد قبل - صلى الله عليه وسلم - الهدايا من المقوقس , وصاحب دومة الجندل , وغيرهما , وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يقبل إلا طيبًا , ولا يأكل إلا طيبًا؛ وأموال الكفار لا يبيحها الغصب , لمثل المقوقس , وإنما تباح وتملك بالقهر والغلبة , والاستيلاء للمسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت