ثم إنه ترك ما وجب , وارتكب ما حرم , فصدق وحقق , وجلل ودقق , وورق وعمق , فأشهد من يراه أو قرأه: إني خصمه فيما ادعاه؛ اللهم إنك تعلم أني لا أستجيز , بأن أقول مثل هذا القول فيه , ولا فيمن لا يقاربه ولا يوازنه , من عاقل وسفيه , وما قلت فيه قط إلا ما يسره ويرضيه , فاغفر لي وكن لي ظهيرًا وهاديًا ونصيرًا , فيما رب هل إلا بك النصر يرتجى عليهم , وهل إلا عليك المعول.
اللهم إنك تعلم أني لو شئت لعرضت بعيونه , ولوحت بذنوبه , وإنما أعرضت عن ذلك ابتغاء وجهك , فاغفر لي ما لا يعلمون , وارحم عبيدك , فإن الأكثر لا يرحمون , وإنك قلت في كتابك العزيز {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان: 20] اللهم اجعلنا ممن إذا أعطوا شكروا , وإذا ابتلوا صبروا , وإذا أذنبوا تابوا واستغفروا , ونسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
ثم قال معللًا لما تقدم: لأنك استبدلت بهذا الاشتغال بالدنيا وجمعها , وهذا بحمد الله دعوى بلا برهان , ولا يمكنه الخروج مما قال , والله عند لسان كل قائل وقلبه؛ وأنى له إقامة الدليل , والخروج مما قال من التعليل.
ما صادف الحكم المحل ولا هو اسـ ... ـتوفى الشروط فصار ذا بطلان
وفي الحديث (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ) )قلنا بلى يا رسول الله , قال: (( الإشراك بالله , وعقوق الوالدين ) )وكان متكئًا فجلس فقال: (( ألا وقول الزور , ألا وشهادة الزور ) )فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.
ولا أجد لي ولهم مثلًا , إلا قول يعقوب عليه السلام: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] وما قلت ذلك شكوى إلى الخلق , ولكن الشكوى إلى الله , ولكني أطالبهم بإقامة البرهان على هذا العدوان , وما كنت مشتغلًا بالدنيا ولا جمعها؛ وما هذا المال الذي جمعته؟ وأين وضعته؟!.
وأما جمع المال: فلا يعاب مطلقًا؛ بل قد يكون قربة إلى الله تعالى، إما واجبًا أو مستحبًا , وقد يكون مباحًا؛ وإنما يعاب التهلف على الدنيا , والحسد على النعمة , والحرص عليها؛ وقد جمعها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن الكثير منهم أهل ثروة.
وقسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مال البحرين , وقسم أبو بكر رضي الله عنه أموال بيت المال بالسوية؛ ودون عمر الديوان , وفاضل بينهم بالقرابة والسابقة , فما كره أحد منهم نصيبه من بيت المال , إلا ما كان من حكيم بن حزام , لأمر خصه , سببه معروف.
وأوصى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه , لمن بقي من شهداء بدر , بأربعمائة دينار , لكل رجل , وكانوا مائة , فأخذوها؛ وأخذ عثمان رضي الله عنه فيمن أخذ، وهو خليفة؛ وأوصى بألف فرس في سبيل الله عزّ وجلّ , فهذا من ثلث ماله , وما نقص من فضله شيئًا , وقد بشره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة.