فأين ذهب جمعكم للكتب؟ وحرصكم على جمعها؟ إنا لله وإنا إليه راجعون؛ أما علمتم أن العلامة ابن القيم رحمه الله: عقد المناظر بين الفقراء والأغنياء , في كتابه (( عدة الصابرين ) )وذكر أدلة كل فريق , على أنه أفضل من الآخر , فما عاب الفقراء أهل الغنى بغناهم , ولا الأغنياء أهل الفقر بفقرهم؛ وفصل الخطاب: أن أفضلهم أتقاهم لله , وأنفعهم لعباده , ومن سلم المسلمون من لسانه ويده , وأكثر الناس سعيًا في وجه الخير.
وأما قوله: واشتغلت بالحراثات؛ أقول: ما صدقت ولا صدقت , لم أشغل بها قلبًا ولا قالبًا , قد جعلت فيها من يكفي؛ أخبرني: ما الذي أثار هذا الضغن؟ وأنت تعلم أني أحرث من حين عرفتني إلى يومي هذا؟ فما أنكرت حراثتي قبل اليوم؟ وقد كنت أطعمك منها , وأمشي بك فيها , وقد كنت أحتسبها قربة إلى الله تعالى , أستغنى بها عن أموال الناس التي بيد السلطان تعففًا.
وقد ورد في فضلها أحاديث , منها الحديث المرفوع (( ما من مسلم يغرس غرسًا , أو يزرع زرعًا , فما أكل منه طير أو بهيمة أو إنسان , إلا كان له صدقة ) )فإذا كنت لا بدّ محتاجًا إلى التكسب لنفسي , ولمن أعول , فالحراثة أحسن شيء من أسباب الرزق , لما فيها من الفضل , وكثرة ما يخرج منها , فهي أفضل من التجارة وأسلم , فكيف يذم فاعل شيء يصلح , أن يكون قربة إلى الله من وجوه؟ هذا لا يصدر من عاقل.
وخذ مني (( فائدة ) )في هذا لا تعرفها , أنت ولا قومك؛ اورد في (( كتاب: الجليس والأنيس ) )حديثًا (( أبو القاسم البجلي ) )قال: سألت أحمد بن حنبل , ما تقول في رجل جلس في بيته , أو في مسجده , وقال لا أعمل شيئًا , يأتيني رزقي؟ فقال أحمد رحمه الله: هذا رجل جهل العلم , أما سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( وجعل رزقي تحت ظل رمحي ) )يعني الغنائم , وحديث الآخر , حين ذكر الطير , فقال: (( تغدو خماصًا وتروح بطانًا ) )فذكر أنها تغدو في طلب الرزق , قال الله تعالى {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 198] وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتجرون في البر والبحر , ويعملون في نخيلهم , والقدوة بهم , انتهى.
وأقول: ويحك؟ قلبت لي ظهر المجن؛ وأما قوله: وأخذت من الزكاة , ولست من الأصناف الثمانية؛ أقول: من أخبرك أني لست منهم , فلو تثبتَّ وسألت من يخبر حالي كان خيرًا لك , وقد غرك مني تعففي وشيمتي , والحمد لله على ذلك , وأظنك لا تجهل حالي , ولكن هاجت الفتنة , وعظمت المحنة , نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
وأقول: ما بالك أعرضت عن معاتبة نفسك , أما علمت أنك من أجلد الرجال , وأقواهم , قليل العائلة , وقد قال - صلى الله عليه وسلم - للرجلين الذين سألاه من الصدقة (( إن شئتما أعطيتكما ولاحظ فيها لغنى , ولا لقوى مكتسب ) )
شعرًا:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم أوسدوا المكان الذي سدوا
وأما قوله: