الصفحة 409 من 461

وتأخذ مالًا فيه ظلم , ولا تسأل؛ أقول: عجبًا لك , كيف تنصب نفسك للإفتاء , وهذا مبلغ علمك وفهمك؟ فإذا لم تفهم هذه المسألة , ولا علمت حكمها , فكيف تفتي الناس؟ لا تدري , ولا تدري بأنك لا تدري.

وأقول أيضًا: من أين لك , أني أخذت من مال فيه ظلم؟ ومن هذا الثقة العدل الذي وقف على حقيقته؟ وأوجب لك القطع بما زعمت؟ ولا بدّ في مثل هذه الدعوى , من شهادة عدلين فأكثر , وقفوا على أن هذا الذي أخذت بعينه , دخل فيه ظلم لو كان , ويلومهم أيضًا: أن يخبروني من غير تحدث منهم به , فإن ثبت ما قالوا , فقد ما عليهم من النصيحة , وأما طعنهم , وأكلهم لحوم الغافلين , فلا يحل لهم بحال , وهذه كلها مغالطة في الحقائق وتصور الأشياء على خلاف ما هي عليه , والخطاب بيننا في موقف الحساب.

وكنت سألت قبل هذا , من تولى إخراج بيت المال , فأخبرني بأن الذي أوصل إلى وكيل منه لم يشب بشيء من الظلم , وأنه تحرى لنا ما يحل , فحمدت الله على ذلك , ولم يتبين لي خلاف ما قال.

وأما حكم ما بأيدي الملوك من الأموال , فلا يخفى أن أكثر ملوك بني أمية , فشا فيهم الظلم للرعية في الدماء والأموال , وكذا ملوك بني العباس , مع سعة ملكهم وكثرة عمالهم وأمرائهم , فما قال أحد من العلماء , إن ما يجبى إليهم من ذلك المال الذي أخذوه , لا يجوز لأحد أن يأخذ منه شيئًا , بل النص المنصور جوازه , والحكم عليه بأنه حلال لآخذه.

قال في الفروع: وما جاء من مال مسألة , ولا إشراف نفس , وجب أخذه؛ ونقل الأثرم: عليه أخذه , لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( خذْهُ ) )وينبغي أخذه؛ ونقل عن ابن حزم: وجوب الأخذ , قال في الشرح , الصحيح: إن غلب الحرام فيما بيد السلطان حرم , وإلا أبيح , إن لم يكن في الآخذ مانع من الاستحقاق , وأوجب طائفة الأخذ من السلطان وغيره , واستحبه آخرون , انتهى.

قلت: وحاصل هذا , أن الأخذ إما واجب , وهو المنصوص عن ألإمام وابن حزم وغيرهما , أو مستحب , أو جائز إن لم يكن الحرام غالبًا , وعن أحمد أنه قال: دعنا نكون أعزة , نقله في الفروع , وقال جائزة السلطان أحب إلينا من صلة الإخوان , فيكون رد الإمام أحمد رحمه الله من باب الزهد والورع , حتى لا يناقض قوله.

وأما إذا كان الأكثر الحرام , فنقل ابن رجب رحمه الله , عن الإمام أحمد: ينبغي أن يجتنبه , إلا أن يكون شيئًا يسيرًا , أو شيئًا لا يعرف؛ قال: واختلف أصحابنا , هل هو مكروه , أو محرم؟ على وجهتين؛ وإن كان أكثر ماله الحلال , جازت معاملته , والأكل من ماله , وإن اشتبه الأمر فهو شبهة , الورع تركه؛ وقال الزهري ومكحول: لا بأس أن يأكل منه , ما لم يعرف الحرام بعينه , فإن لم يعرف مالًا حرامًا بعينه , ولكن علم أن فيه شبهة , فلا بأس أن يأكل منه , نص عليه أحمد في رواية حنبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت