الصفحة 413 من 461

بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون , اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك , إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

وبعد: فقد وقع مذاكرة في حال الأعراب , الذين يوجد فيهم شيء من المكفرات , هل يصلح أمانهم لبعضهم عن بعض؟.

فنقول - وبالله التوفيق - يصح أمان الكفار بعضهم لبعض , ولغيرهم , بالكتاب والسنّة والاعتبار.

أما الكتاب: فيقول الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} الآيات [النحل: 91 - 95] قال مجاهد وقتادة: نزلت في حلف أهل الجاهلية , وآخر السياق يدل على عموم الآية , وهو قوله: {وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} قال المفسرون: على ملة واحدة وهي الإسلام {وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء} فدل على هذا الخطاب , شامل للمهدين وغيرهم.

وقال تعالى في شان اليهود: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} إلى قوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 84 - 85] قال أهل التفسير: يقول تعالى منكرًا على اليهود , ما كانوا يعانون مع الأوس والخزرج , فكان المدينة ثلاث قبائل , بنو قينقاع , وبنو النضير حلفاء الخزرج , وبنو قريظة حلفاء الأوس , فكانت الحرب إذا نشبت بينهم , قتل كل فريق منهم مع حلفائه , فيقتل اليهودي أعداءه.

وقد يقتل الآخر من الفريق الآخر , وذلك حرام عليهم بنص الكتاب , ويخرجونهم من بيوتهم , وينهبون ما فيها من الأثاث والأموال , ثم إذا وضعت الحرب أوزارها , استفكّوا الأسارى من الفريق المغلوب , عملًا بحكم التوارة , ولهذا قال: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} فهذه الآية تدل: على أن الله تعالى حرم قتال بعضهم بعضًا , وإن كان لكل كتاب وقت النزول , لأن هذا القتل ليس على حق , وإنما هو في سبيل الشيطان.

وأما الأحاديث: فما رواه أبو داود (2759) والنسائي , والترمذي , عن عمرو بن عبسة , قال سمعت رسول - صلى الله عليه وسلم - الله يقول: (( من كان بينه وبين قوم عهد , فلا يحلن عهدًا ولا يشدنه , حتى يمضي أمره , أو ينبذ إليهم على سواء ) )و هذا الحديث عام.

ورواه الإمام أحمد والترمذي , عن حسين المعلم , عن عمرو بن شعيب , عن أبيه عن جده , أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته (( أوفوا بحلف الجاهلية , فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة , ولا تحدثوا حلفًا في الإسلام ) )قال العلماء في معنى الحديث: إن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف , الذي كانوا يفعلونه أهل الجاهلية , فإن التمسك بالإسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت