أما بعد: فالباعث لهذا الكتاب , محض النصيحة لكم , والشفقة عليكم , ومعذرة إلى الله من معرة الكتمان , وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( الدين النصيحة .... ) )الحديث؛ ومما يلزم بيانه لكم: تذكيركم ما من الله به علينا وعليكم , من معرفة دين الإسلام الذي خفي على أكثر الناس , وهو الذي أظهره الله في آخر هذا الزمان , على يد شيخ الإسلام , محمد بن عبد الوهاب رحمه الله , وقام بنصره أئمة المسلمين من آل سعود , فحصل بهم من اجتماع الكلمة , وظهور الحق , واضمحلال الباطل , ما تنشرح به صدور أهل الإيمان , وتكميد صدور أهل النفاق والطغيان.
فالواجب علينا وعليكم: مراعاة هذه النعمة , والقيام بشكرها؛ واذكروا ما أنتم سابقًا , من الظلم والعدوان , وسفك الدماء , ونهب الأموال , والتحاكم إلى الطاغوت , واختلاف الكلمة , ثم من الله عليكم بترك ذلك , والإقبال على تعلم أصول الإسلام.
فلما رأى الشيطان منكم ذلك , وأحزنه: أعمل الحيلة في صدكم عما عرفتم من الخير , ودنتم به في فتح أبواب اختلاف الكلمة , وإساءة الظن من بعضكم لبعض , وحملكم على التهاجر والتقاطع , في أمور ما توجب ذلك , في أمر الشرع المطهر؛ فالواجب عليكم: رد ما تنازعتم فيه إلى كتاب الله , سنّة رسوله , ولا عمن لهم قدم راسخ , بجاهل , فإن اقتداء الجاهل بالجاهل , كاقتداء الأعمى بالأعمى.
ومما نبين لكم , وننصحكم به أيضًا: بذل الجهد في الوفاء بذمة إمامكم , من جهة نقيصة ابن صباح , التي وقع أخذها باجتهاد منكم , وطلب للخبر , لكن حملكم على ذلك: ظنكم أنه ليس له ذمة مع الإمام , ولا عماله , والآن بأن لكم - وفقكم الله - أن ذمة الأمان لم تزل معقودة له , فعلى هذا يكون عندكم معلومًا , أن المال المأخوذ على هذا الوجه حرام , وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (( أيما جسد نبت من مال حرام , فالنار أولى به ) ).
ومن أراد الدليل: على أن العهد يجب الوفاء به , ولو مع كافر , فلينظر إلى سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع كفار قريش , حين عاقدهم بعقد الصلح , فإنه وقع الشرط بينهم , على أنه من جاء من الكفار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مسلمًا , حتى أشكل ذلك على بعض الصحابة رضي الله عنهم , فقالوا: كيف نرد عليهم من جاءنا منهم مسلمًا , ولا يردون علينا من جاءهم منا مرتدًا؟.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( من جاءنا منهم مسلمًا , فسيجعل الله له فرجًا , وأما من ذهب إليهم مرتدًا فأبعده الله ) )فجاء نفر مسلمون , منهم أبو جندل ابن سهيل بن عمرو , فقيدهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وردهم عليهم , محافظة على الوفاء بالذمة , هذا معنى ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} إلى قوله {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} [النحل: 91 - 92] وهذا حكم عام مع المسلمين والكفار؛ وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا