الصفحة 430 من 461

فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الإسلام , فأنزل الله عزّ وجلّ: {ُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ} [البقرة: 199] وأنزل الله فيما حرموا: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} إلى قوله: {تعْلَمُونَ} [الأعراف: 31 - 32] وذكر حدوث الرجوم , وإنذار الكهان به - صلى الله عليه وسلم - ونزول سورة الجن , وقصتهم.

ثم ذكر إنذار اليهود به , وأنه سبب إسلام الأنصار , وما نزل في ذلك من القرآن , وقصة بن الهيبان , وقوله: ما ترونه أخرجني من أرض الخمر , إلى أرض البؤس , والجوع , ثم ذكر قصة إسلام سلمان الفارسي , ثم ذكر الأربعة المتفرقين عن الشرك في طلب الدين , وهم: ورقة بن نوفل , وعبيد الله بن جحش , وعثمان بن الحويرث , وزيد بن عمرو.

ثم ذكر وصية: عيسى عليه السلام , باتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - وما أخذ الله على الأنبياء من الإيمان به، والنصر له , وأن يؤدوه إلى قومهم , فأدوا ذلك , وهو قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} الآية [آل عمران: 81] .

ثم ذكر بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقصة في الصحيحين , وفيها: أن أول ما أنزل عليه: {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} إلى قوله: {عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5] ثم أنزل عليه: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر 1 - 7] .

فمن فهم: أن هذه أول آية أرسله الله بها , أمره سبحانه أن ينذر عن الشرك , الذي يعتقدون أنه عبادة تقرب إلى الله عزّ وجلّ , قبل إنذاره عن نكاح الأمهات والبنات , وعرف أن قوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} أمر بالتوحيد قبل الأمر بالصلاة وغيرها , عرف قدر الشرك عند الله , وقدر التوحيد.

فلما أنذر استجاب له قليل , وأما الأكثر فلم يتبعوا ولم ينكروا , حتى باداهم بسب دينهم وعيب آلهتهم , فاشتدت عداوتهم له ولمن تبعه , وعذبوهم عذابًا شديدًا , وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم , فمن فهم هذا عرف أن الإسلام لا يستقيم إلا بالعداوة لمن تركه وسب دينه , وإلا لو كان لأولئك المعذبين رخصة لفعلوا , وجرى بينه وبينهم ما يطول وصفه , وقص الله سبحانه بعضه في كتابه.

ومن اشهر ذلك: قصة عمه أبي طالب لما حماه بنفسه وماله وعياله وعشيرته , وقاسى في ذلك الشدائد العظيمة وصبر عليها , ومع ذلك أنه مصدق له داع إلى دينه , محب لمن اتبعه معادياُ لمن عاداه , لكن لم يدخل فيه , ولم يتبرأ من دين آبائه , ويتعذر عن ذلك بأنه لا يرضى بمسبة آبائه , وإلا لولا ذلك لاتبعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت